هزيمة الجمهوريين كانت ساحقة بكل المقاييس

اتفق الحزبان على جوهر هذه الانتخابات النصفية المضطربة. فقد أراد الرئيس دونالد ترامب من الناخبين أن «يتصرَّفوا وكأن اسمي مدرج على ورقة الاقتراع»، والديموقراطيون رحَّبوا بذلك، في وقت لم تتجاوز شعبيته 38 في المئة.
كانت النتائج كارثية للجمهوريين؛ فقد خسروا تقريباً في كل مكان، حتى بمعاقل لم يكن أحدٌ يتصوَّر سقوطها. تراجع تمثيلهم في مجلس الشيوخ من 53 مقعداً إلى 46 على الأكثر، وخسروا ولايات، مثل: تكساس، وأوهايو، وكانساس، وآيوا، إلى جانب جورجيا وكارولاينا الشمالية ومين.
وفي مجلس النواب، يُتوقع أن يحصل الديموقراطيون على نحو 258 مقعداً، بزيادة لا تقل عن 43 مقعداً. كما فازوا بخمسة مناصب إضافية على الأقل لحُكام الولايات، محققين الأغلبية للمرة الأولى منذ 16 عاماً. وخسر الجمهوريون كامل المناصب الانتخابية على مستوى ولاية تكساس، فيما انتزع الديموقراطيون ما لا يقل عن 500 مقعد بالمجالس التشريعية للولايات، وقلبوا موازين 11 مجلساً على الأقل.
ستظل هذه الانتخابات حاضرة في الذاكرة عقوداً. فقد كانت خسائر الجمهوريين ضخمة وعميقة التأثير. فما الذي يفسِّر هذا الانهيار؟
أولاً، كان المناخ السياسي الوطني مُعادياً للجمهوريين. أظهر استطلاع خروج الناخبين أن نحو نصفهم اعتبروا غلاء المعيشة عاملاً حاسماً في تصويتهم، فيما وصفه 40 في المئة آخرون بأنه عامل رئيسي. وقال نحو ثُلثي الناخبين إن سياسات ترامب جعلت الاقتصاد أسوأ، وإنها رفعت الأسعار.
لكن الرئيس زاد الوضع سوءاً. فقد رأى نحو ثُلثي الناخبين أنه لا يضع الأولويات الصحيحة، واعتقد 62 في المئة أنه يقدم مصالحه الشخصية على مصالح البلاد، فيما اعتبر 90 في المئة أن فساد الحكومة كان عاملاً مهماً في اختيارهم.
حوَّل ترامب تجمُّعاته الانتخابية إلى عروضٍ تتمحور حول شخصه، طغت عليها الاتهامات الغريبة والإهانات والاستعراضات والمبالغة في التفاخر. لم تكن هناك رسالة منضبطة أو رؤية للمستقبل، بل ارتجال متواصل لأكثر من ساعة في كل تجمُّع. سمَّى ذلك «التشعب في الحديث»، لكنه لم يكن سوى فوضى.
وكرَّر ترامب خطأ جو بايدن حين طلب من الناخبين ألا يُصدقوا ما يرونه ويعيشونه. فقد وصف الاقتصاد بأنه «الأكثر نجاحاً»، وأميركا بأنها تعيش «عصراً ذهبياً»، فيما كان الناخبون يشعرون بأن دخولهم تنمو بوتيرة أبطأ من الأسعار. أما وعده بمنح كل بالغ خمسة آلاف دولار إذا صوَّت للجمهوريين، فقد ارتد عليه؛ إذ اعتبره كثيرون رشوة مبطنة يعرف أنه لن يستطيع الوفاء بها.
وكانت الخسائر ستُصبح أقل لو أمضى ترامب وقتاً أطول في ممارسة مهامه الرئاسية، ووقتاً أقل في لعب دور قائد الحملة الانتخابية. كما أن الرسائل المنضبطة التي تركز على الاقتصاد كان يمكن أن تُحسِّن موقفه وتُساعد مرشحي حزبه.
ثم جاءت مشكلة نوعية المرشحين، فكثير منهم كانوا ضعفاء، لا سيما الذين اختارهم ترامب بنفسه. وكان أبرز الخاسرين؛ المدعي العام لولاية تكساس كين باكستون، الذي أنفقت حملته لمجلس الشيوخ نحو 500 مليون دولار، لكنه خسر بفارق 12 نقطة، ليُصبح أول مرشح جمهوري يخسر مقعداً في مجلس الشيوخ عن تكساس منذ عام 1988.
وفي ختام الانتخابات، ظهر ترامب في فعالية عند بركة الانعكاس أمام نصب لينكولن التذكاري، وانشغل بالحديث عن تجديدها وتحسين عُشب البيت الأبيض والتغييرات العُمرانية في واشنطن، عارضاً صوراً ورسوماً لإنجازاته. وليس غريباً، في ظل ذلك، أن يعتقد الناخبون أن الجمهوريين لا يكترثون لتكاليف المعيشة والاقتصاد.
صحيح أن ترامب حصل على ما أراده شخصياً من الانتخابات: الأضواء، واختيار مرشحي حزبه في السباقات المهمة، والهروب من ضغوط البيت الأبيض إلى تجمُّعات أنصاره المخلصين، لكن انتهى به الأمر إلى واحدة من أسوأ الهزائم الجمهورية خلال نصف قرن، وهي هزيمة تترك رئاسته مشلولة سياسياً.
لن يكون هناك مجال لتعيين قاضٍ محافظ جديد في المحكمة العليا خلال العامين المقبلين، وربما طوال السنوات الست المقبلة. وسيبدأ الجمهوريون الذين خافوا سابقاً من مخالفة الرئيس في الابتعاد عنه حفاظاً على مستقبلهم السياسي.
أما ترامب، فسوف يحاول التنصُّل من المسؤولية، وإلقاء اللوم على الآخرين. وقد كتب بالفعل على منصة إكس: «لم أكن على ورقة الاقتراع، ولو كُنت عليها لفزنا باكتساح»، لكن هذا غير صحيح.
لا يستطيع ترامب الإفلات من المسؤولية بهذه السهولة. فهو وسياساته واختياراته للمرشحين مَنْ قادوا الحزب الجمهوري إلى هذه الهزيمة الساحقة.
هزيمة ساحقة للجمهوريين في الانتخابات النصفية