ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
aljaridaمقالات بقلم طلال عبدالكريم العرب

من صيد الخاطر: ثأْطَةٌ مُدَّتْ بِمَاءٍ

من صيد الخاطر:  ثأْطَةٌ مُدَّتْ بِمَاءٍ

«ثأْطَةٌ مُدَّتْ بِمَاءٍ»، الثَّأْطَةُ هنا هي الحمأة، أي الطين الأسود المنتن الرطب، أو العجين الرقيق المضطرب الذي لا يُمكن ضبطه أو إمساكه، وإذا مُدَّتْ بِمَاءٍ أي زِيدَ عليها الماء تضاعف استرخاؤها وزاد فسادها ونتانتها، فهو مثل عربي قديم يُضرب للأمر الفاسد، أو الشر الذي يزداد فساداً وتفاقماً بما يضاف إليه، ويقال في المواقف التي يكون فيها الأمر متردياً أو معقداً، ثم يَجِدّ أمرٌ يُظَنّ أنه سيصلحه أو يُعين عليه فيزيد الموقف سوءاً على سُوئه ويفاقم علته، وهو كالمثل «زَادَ الطِّينَ بِلَّةً» إنه فعل لا يقوم به إلا الأرعن الأحمق الذي «بغى يكحلها فعماها».

هناك حكم كثيرة تدور حول مثلنا «ثأْطَةٌ مُدَّتْ بِمَاءٍ» بتفاقم الفساد عند محاولة الترقيع، أو تراكم الخلل بزيادة ما يفسده، ومنها: «مَنْ أَصْلَحَ خَلَلًا بِبَاطِلٍ، كَمَنْ بَنَى قَصْراً وَهَدَمَ مِصْراً»، وهو يقال لمَن يستعين بالفاسد لإصلاح أمرٍ قائم فيزيده فساداً، و»مُتَكَلِّفُ الصَّلَاحِ بِمَا لا يَعْلَمُ، كَالْمُسْتَشْفِي بِمَا يُسْقِمُ»، فتَدَخّل الجاهل للإصلاح هو عين الداء، و»الرَّقْعُ إِذَا اتَّسَعَ عَلَى الرَّاقِعِ فَسَدَ الثَّوْبُ كُلُّهُ»، وهي حكمة تُقال عندما يكثر الخلل وتتوالى محاولات الترقيع العشوائية، فيتحول الترقيع نفسه إلى سبب لخراب الأمر كله، و»لا يُعَالَجُ الدَّاءُ بِمَا يُوَرِثُ العِلَّةَ»، وهو يقال لنهي مَن يتخذ من أسباب الفساد أو المخاطرة وسيلةً للخروج من مأزق قائم.

فـ «ثأْطَةٌ مُدَّتْ بِمَاءٍ»، فعل لا يقوم به إلا المتهور، وهو فعل لا يقتصر على الأفراد فقط، فهو يمتد إلى الأمم حين تتصرف حسب هوى وعقلية الأفراد الذين يحكمونها، القابضين على زمام أمورها، المتحكمين بمصيرها.

وهذا تماماً ما فعله النظام الإيراني الأرعن بعدوانه على دول الخليج العربي لينتقم منهم بسبب القصف الأميركي ــ الإسرائيلي عليه، ورغم أن إيران دائمة الشكوى مما تدّعيه أنها قوى الاستكبار العالمي، فهي فضّلت أن تكون هي الأخرى دولة استكبار على جيرانها، وبدلاً من أن تستجير بجوارها، وبدلاً من طلب العون والمدد السياسي منهم لمساعدتها على الخروج من عزلتها الخانقة وأزماتها الداخلية والدولية المزمنة، «زَادَت الطِّينَ بِلَّةً» عليها بغدرها وعدوانها عليهم، فخسرت بفعلها هذا ما تبقى لها من منافذ النجاة وسبل الخلاص، وانطبق عليها المثل العربي «على نفسها جنت براقش».

النظام الإيراني تمادى في غيّه وزاد من مأزقه الفاسد أصلاً، فزاد من عزلته الدولية بمحاولته غلق مضيق هرمز لحرمان عرب الخليج من مصدر رزقهم، ما زاد عليه العقوبات الاقتصادية الخانقة، والضغط السياسي. إيران بفعلها الأحمق لم تُحقّق لنفسها ما أرادت، بل زاد الأمر عليها سوءاً، وأصبحت أمة منبوذة معزولة حين صارت كـ «ثأْطَةٌ مُدَّتْ بِمَاءٍ».

فمثلنا يُقال في التدبير الأحمق للأفراد وللأمم على حد سواء، يقال لمَن يريد الهروب من مأزق فيقوده تهوره إلى المزيد من المآزق والدمار.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓