صراع الشرّ مع الشرّ
قالوا لنا إن وسائل التواصل ستجعل العالم قرية صغيرة، ولم يخبرونا أنها ستكون قرية كثيرة الصراخ، لا تنام ولا تغلق مكبرات الصوت!
فتحنا هواتفنا لنسأل عن الأصدقاء، فإذا نحن أعضاء دائمون في مجلس الأمن: خلاف بين دولتين، وصراع بين ميليشيات، وانقلاب في بلد بعيد، ومراهقون توزَّع عليهم البنادق والمسيّرات بعد أن تُغسل أدمغتهم.
صرنا نعرف أسماء قادة الميليشيات أكثر ما نعرف أسماء جيراننا، ونشاهد معارك صوتية وسباباً بين أبناء وطن واحد لا يجمعهما سوى الحقد!، ثم امتلأت المنصات بالطائفية، فعادت معارك عمرها ألف سنة لتُخاض من جديد، ولكن هذه المرة بالهاتف المحمول، وأصبحت الخيانة «وجهة نظر»، وبيع الوطن «قراءة سياسية»، وكل قضية مهما بلغت بشاعتها قابلة لمناظرة طويلة بين فريقين، لا تعرف أيهما أسوأ.
وحين نتعب من السياسة تأتينا استراحة الفن! فنانة تطلقت، وفنان تزوّج سراً، وثالثة حذفت صور زوجها، ورابعة أعادت متابعته بعد منتصف الليل، ويبدأ المحللون تحقيقاتهم: لماذا حذفت الصورة؟ ولماذا أعادت نشر الأغنية؟ وهل القلب الأسود في آخر منشورها رسالة إلى طليقها؟
ولأن الخوارزميات لا تحب العقلاء، اكتشف البعض أن أقصر طريق إلى الشهرة هو أكثرها ضجيجاً: اشتم، استفز، افتعل فضيحة، أو انشر مقطعاً لا أخلاقياً، وستجد الملايين، ثم انتشر المرتزقون فأصبحت المنصات آلة صرف، تمد لسانك بمقياس الطلب، وهناك من يصدق أو ربما يعيد النشر فتزداد الفوضى ويعمُّ الاضطراب!
أما الأديب والمفكر والعالم، فيكتب فكرة تستحق أن تُقرأ، فيحصل على خمسة إعجابات؛ ثلاثة منها من أقاربه واثنان بالغلط!
وهكذا أصبحت «جراثيم التواصل الاجتماعي» في كل زاوية، وأصبحت البيئة طاردة للمفيد، جاذبة للصاخب والضار؛ لذلك لا أستغرب أن يبدأ الناس بالهروب. فقد تعب الإنسان من أن يستيقظ على حرب، ويتغدى مع فضيحة، ويشرب قهوته مع طلاق ممثلة، وينام على فتنة طائفية.
فالإنسان يستطيع أن يفهم صراع الخير مع الشر؛ أما مصيبتنا اليوم، فهي أننا نقضي ساعات طويلة نشاهد صراع الشر مع الشر...، ومهما كانت النتيجة سيكون المنتصر في النهاية شراً أيضاً...
كرة القدم في الكويت تحتاج إلى عملية جراحية عاجلة، لا إلى مسكّنات! (كرة أصبحت - في بعض الحالات-أملاكاً خاصة) تسير بالواسطة وسباق لشراء اللاعبين الواعدين ليجلسوا على دكة الاحتياط. نشتري اللاعب، ونركنه، ونضمن الفوز محلياً بلاعبي الواسطة ثم نخرج لتمثيل الكويت، فنكتشف أن الحصيلة: صفر نقاط!