هيئة تشجيع الاستثمار ومقاومة النموذج القديم
ارتبط جانب من النشاط الاقتصادي في الكويت، لسنوات طويلة، بنموذج تكون فيه الدولة المشتري الأكبر، والإنفاق الرأسمالي الحكومي المحرك الرئيسي، بينما تقف بين الدولة والشركات العالمية حلقات محلية تضيف تكلفتها، وهامش ربحها إلى فاتورة تتحملها الخزانة العامة. هذا النموذج يحتاج إلى مراجعة.
ولهذا أرى أن التعديلات المقترحة على قانون تشجيع الاستثمار المباشر تستحق الإشادة، ليس فقط لأنها تسهّل دخول المستثمر الأجنبي، إنما لأنها تعكس تحولاً أعمق: من اقتصاد يستفيد فيه البعض من الوساطة، إلى اقتصاد يُفترض أن تكون فيه القيمة المضافة هي أساس المنافسة.
فالمقترح يتيح للمستثمر تأسيس الشركات، والاستحواذ على شركات قائمة، وإعادة توطين شركات أجنبية في الكويت، ويوسع قدرته على العمل دون الحاجة إلى شريك كويتي، أو وكيل محلي. كما يقترح "مركز خدمة المستثمرين" ليكون نافذة رقمية موحدة، ونقطة تعامل المستثمر مع الجهات الحكومية، بدلاً من اضطراره إلى التنقل بينها.
الفلك
فيديو إخباري
السياسة
والأهم أن الحوافز المقترحة ترتبط بما يضيفه الاستثمار للاقتصاد: نقل التكنولوجيا، والابتكار، والمحتوى المحلي، والصادرات، وتوظيف الكويتيين وتدريبهم.
ومن الطبيعي أن يواجه أي انتقال من نموذج اقتصادي، مستقر منذ عقود، مقاومة ممن اعتادوا الاستفادة منه. لكن حماية نموذج الوساطة ليست سياسة اقتصادية. ومن يملك من القطاع الخاص خبرة حقيقية، أو خدمة، أو معرفة بالسوق سيظل مطلوباً؛ الفرق أن قيمته ستكون في ما يضيفه، لا في مجرد وجوده بين الدولة والمستثمر.
وهذا المسار لا يبدأ من فراغ؛ فهناك نماذج ناجحة، إقليمياً ودولياً، أثبتت أن تسهيل الاستثمار المباشر، ورفع كفاءة بيئة الأعمال، يمكن أن يحقق نتائج ملموسة متى اقترن بحسن التنفيذ.
لذلك فإن التفاؤل بهذا التوجه لا يستند إلى النوايا وحدها، بل إلى وجود تجارب سابقة توضح، ما الذي ينجح، وكيف يمكن تطبيقه.
وفي المقابل، نجاح الإصلاح لا يعتمد على التشريع وحده. وتحتاج الهيئة إلى أن تأخذ على عاتقها شرح مشروعها على مختلف المستويات، وأن تخاطب المستفيدين المباشرين، وغير المباشرين، والمحتملين، وألا تكتفي بتصريحات صحافية متفرقة. فكلما اتسعت دائرة المتأثرين بالإصلاح، ازدادت الحاجة إلى توضيح أهدافه وآلياته، ومن يستفيد منه، وكيف تنعكس نتائجه على المالية العامة والاقتصاد الكويتي. وترك فراغ في هذا الجانب قد يمنح المتضررين من التغيير فرصة لتقديم إصلاحات إيجابية، باعتبارها موضعاً للشك أو الاعتراض. فالإصلاح الذي لا يشرح نفسه جيداً، قد يجد من يشرحه للناس بصورة أخرى تخالف الواقع.