طارق الجلاهمة...خدمة الناس ليست شعاراً
أن يذهب الوزير إلى مكتبه كل صباح، ويتابع شؤون وزارته وقطاعاتها المختلفة، خلال أيام العمل الرسمية، فهذا أمر طبيعي، بل هو واجبه الذي أقسم عليه، وتحمّل مسؤوليته.
لكن أن تجد وزيراً يخصص جزءاً من وقته، خارج ساعات العمل الرسمية، وفي يوم عطلة، ليستمع إلى المواطنين، ويتابع شكاواهم، ويبحث معهم عن حلول لمشكلاتهم، فهنا يصبح الأمر مختلفاً تماماً، ويستحق التوقف أمامه والإشادة به.
هذه الصورة لفتت انتباهي خلال زيارة إلى مكتب وزير الشباب، الدكتور طارق الجلاهمة، برفقة الدكتورة دلال السيف، صاحبة فكرة كتاب "وفي القلب أمير"، و المهندسة سارة الخارجي.
أخبار السياسة
الفلك
إعلانات صحفية
كان الموعد مساء السبت، وهو يوم عطلة رسمية لدى معظم أجهزة الدولة، ولذلك توقعت في البداية أن يكون اللقاء خاصاً بنا، وربطت اختيار هذا الموعد، ربما بارتباطات الوزير وضيق وقته خلال أيام العمل الرسمية. لكن المفاجأة كانت بانتظاري عند دخولي مبنى الهيئة العامة للشباب، وجدت عدداً من المواطنين والشباب في غرفة الاستراحة.
للوهلة الأولى، ظننت أنهم من موظفي مكتب الوزير، أو العاملين في الهيئة الذين يواصلون عملهم خلال العطلة، لكن الفضول دفعني إلى السؤال: من هؤلاء الشباب؟
جاءتني الإجابة التي لم أكن أتوقعها: هؤلاء مراجعون جاؤوا لمقابلة الوزير. هنا توقفت قليلاً.
فالوزير لم يكن في مكتبه مساء السبت لمجرد عقد اجتماع، أو استقبال ضيف، أو إنجاز بعض الأعمال الخاصة بالوزارة، إنما كان يستقبل مواطنين اختاروا هذا التوقيت تحديداً، ليستمع إلى مطالبهم وشكاواهم، ويحاول مساعدتهم والوصول إلى حلول مناسبة لمشكلاتهم.
والأجمل أن هذا الأمر لم يكن استثناءً فرضته مناسبة معينة، أو ظرفا طارئا. عندما سألت أحد الموظفين في مكتب الوزير: هل يتكرر هذا الأمر؟
كانت الإجابة أكثر إثارة للإعجاب: نعم... وبشكل مستمر.
بل إن الأمر، كما علمت، لا يتوقف عند أيام العمل، أو حتى عطلات نهاية الأسبوع، إنما امتد إلى أيام الأعياد أيضاً؛ فقد كان الوزير حاضراً لاستقبال المواطنين في ثالث أيام عيد الأضحى الماضي. وهنا يصبح المشهد أكبر من مجرد وزير يفتح مكتبه في عطلة.
إنه نموذج لفكرة أعمق: أن المسؤولية ليست ساعات دوام تنتهي بانتهاء عقارب الساعة، وأن خدمة المواطن لا ينبغي أن تكون مرتبطة فقط بجدول المواعيد الرسمي.
وخلال لقائنا مع معالي الوزير، نقلنا إليه انبهارنا وإعجابنا بذلك، ولم نخفِ تقديرنا لهذا السلوك الذي قلّما نراه بهذا الانتظام.
لكن رده كان أكثر بساطة من كل ما يمكن أن نقوله.
لم يتحدث عن إنجاز استثنائي، ولم يعتبر ما يفعله فضلا على أحد، إنما قال، بمعنى واضح، إن هذا هو الشيء الطبيعي، وإن المسؤولين "جنود لخدمة الوطن وأبنائه"، وأن واجبهم هو تنفيذ توجيهات سمو الأمير وسمو ولي العهد، والعمل بما يحقق الخير للكويت وأهلها.
وهنا تكمن قيمة الموقف.
فأحياناً لا تحتاج إلى خطاب طويل لتعرف معدن المسؤول، ولا إلى بيانات إعلامية لتكتشف حجم اهتمامه بالناس. يكفي أن تدخل مكتبه في يوم عطلة، فتجد مواطنين ينتظرون دورهم، ووزيراً يجلس ليستمع إليهم.
قد يختلف الناس في تقييم المسؤولين وأدائهم، وقد تختلف الآراء حول السياسات والقرارات، والنتائج، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع.
لكن هناك مواقف، إنسانية وإدارية، تستحق أن تُذكر كما هي، لأنها تقدم صورة إيجابية عن معنى أن يكون المسؤول قريباً من الناس، وأن يشعر المواطن بأن بابه ليس مغلقاً أمامه.
وفي زمن أصبحت فيه المسافة بين المواطن والمسؤول هاجساً لدى كثيرين، تظل أبسط الرسائل، وأكثرها تأثيراً هي أن يجد المواطن من يسمعه.
وربما لهذا السبب تحديداً خرجت من مبنى الهيئة العامة للشباب، وأنا أتذكر ذلك المشهد البسيط: مساء عطلة، مواطنون ينتظرون، ووزير يجلس في مكتبه ليستمع إليهم.وهذا، في النهاية، هو جوهر المسؤولية.
أن يعرف المسؤول أن المنصب ليس امتيازاً، إنما أمانة، وأن المكتب ليس مكاناً لممارسة السلطة فقط، بل باباً مفتوحاً لخدمة الناس.
وأن أجمل ما يمكن أن يتركه المسؤول خلفه ليس اسمه على باب المكتب، إنما أثر طيب في حياة إنسان، دخل إليه ذات يوم مثقلاً بمشكلة، وخرج منه وهو يشعر أن هناك من استمع إليه وحاول مساعدته.
صحافي مصري