ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alseyassahكل الآراء بقلم سامي عبدالمحسن الرويشد

في خدمة الإجراء

في خدمة الإجراء

دخل موظف إلى قسم إداري لإنجاز معاملة داخلية، فطلب منه النظام رفع المستند إلكترونياً. فعل ذلك في دقائق، ثم ظهرت أمامه رسالة تطلب منه طباعة المستند نفسه، توقيعه يدوياً، ومسحه ضوئياً وإعادة رفعه.

توقف لحظة أمام الشاشة، لا لأن الطلب معقد، بل لأنه بدا وكأن نصف المعاملة يعيش في الحاضر، ونصفها الآخر لا يزال عالقاً في زمن الورق. لم تكن المشكلة في الإجراء نفسه، بقدر ما كانت في السؤال الذي لم يعد أحد يطرحه: لماذا لا نزال نفعل هذا؟

كثير من الحلول تبدأ موقتة. نبتكرها لأن ظرفاً طارئاً يضغط علينا، أو لأن التقنية لم تكتمل، أو لأن الوقت لا يسمح بتغيير جذري.

أخبار الأمن

إعلانات صحفية

متابعة الطقس

في لحظتها تكون منطقية، بل وقد تكون ذكية. لكن الخطر يبدأ عندما ينجح الحل الموقت إلى درجة تجعلنا نتوقف عن البحث عن أصل المشكلة.

وهنا تتحول الوسيلة إلى عادة، والعادة إلى نظام. ثم يأتي جيل جديد من الموظفين، أو المستخدمين، فيتعلم الإجراء كما هو، لا كما بدأ. ومع مرور الوقت، يختفي سبب القرار من الذاكرة، ويبقى القرار نفسه حاضراً بقوة التعليمات والنماذج والتوقيعات. وما كان استثناءً لمواجهة ظرف معين، يصبح معياراً يقاس عليه العمل كله، حتى يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين الضروري والموروث.

ولعل هذا ما يفسر لماذا تبدو بعض الإجراءات أكثر تعقيداً من المشكلة التي صُممت لحلها. فالإنسان يميل إلى إصلاح ما أمامه، لا إلى مراجعة ما وراءه. وحين ينجح الالتفاف على الخلل، يقل الإلحاح لإصلاح الخلل نفسه.

وهكذا يبدأ الناس في تحسين طريقة التعايش معه، بدل أن يسألوا إن كان ينبغي أن يبقى أصلاً؟

المفارقة أن التطور لا يلغي القديم تلقائياً. قد ندخل نظاماً إلكترونياً حديثاً، ثم نحمل إليه إجراءات صُممت لعصر مختلف. عندها لا نكون قد غيّرنا المنظومة، بل نقلنا عاداتها القديمة إلى شاشة جديدة. وقد نحتفل بسرعة الإنجاز، بينما بقيت الفكرة القديمة نفسها تتحكم في المسار من خلف الشاشة.

ولهذا فإن السؤال الإداري الأهم ليس: هل يعمل الإجراء، بل هل لا يزال له سبب؟ فهناك فرق بين نظام أثبت فائدته، ونظام نجا فقط لأنه لم يخضع للمراجعة.

ربما لهذا لا تكون أخطر المشكلات هي التي لا نملك لها حلولاً، بل تلك التي نعيش معها طويلاً تحت حماية حلٍ موقت. فحين ينسى الناس لماذا بدأ الإجراء، تبدأ المؤسسة في خدمة الإجراء بدل أن يخدمها.

كاتب كويتي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓