ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alseyassahكل الآراء بقلم عبدالله فلاح الهاجري

لا تزال الديبلوماسية أقوى من الصراع؟

لا تزال الديبلوماسية أقوى من الصراع؟

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما يرافقها من أزمات سياسية واقتصادية، وأمنية، يعود السؤال إلى الواجهة: هل لا تزال الديبلوماسية تمتلك القدرة على احتواء النزاعات، أم أن لغة القوة أصبحت هي الوسيلة الأكثر حضوراً في العلاقات الدولية؟

المتأمل في مسيرة التاريخ يدرك أن الصراعات، مهما حققت من مكاسب آنية، لا تضمن استقراراً دائماً، بينما استطاعت الديبلوماسية في كثير من المحطات، أن تحول دون اتساع الأزمات، وأن تفتح أبواباً للحلول التي تحفظ مصالح الدول وتخفف من معاناة الشعوب. فالحوار ليس دليل ضعف، كما أن التفاوض لا يعني التنازل عن الثوابت، بل هو تعبير عن الحكمة السياسية، وحسن إدارة الخلافات.

لقد فرضت التطورات الدولية واقعاً أكثر تعقيداً، حيث لم تعد التحديات مقتصرة على النزاعات العسكرية، بل امتدت إلى الأمن الغذائي، والطاقة، والتغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والأزمات الاقتصادية.

وكل هذه الملفات تؤكد أن أي دولة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع العمل بمعزل عن التعاون الدولي، ولا يمكنها مواجهة هذه التحديات دون قنوات اتصال فاعلة، تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الديبلوماسية بوصفها أداة لبناء الثقة، قبل أن تكون وسيلة لحل الخلافات. فالعلاقات الدولية الناجحة لا تقوم على ردود الفعل، بل على الحوار المستمر، وقراءة المتغيرات، والقدرة على تقريب وجهات النظر، بما يحقق الأمن والاستقرار، ويحد من فرص التصعيد.

ولعل منطقة الخليج العربي تقدم نموذجاً واضحاً لأهمية الحوار في ترسيخ الاستقرار. فكل خطوة نحو تعزيز التعاون، والتنسيق بين الدول تنعكس إيجاباً على التنمية والاقتصاد، وتمنح شعوب المنطقة مزيدا من الطمأنينة والثقة بالمستقبل. فالاستقرار السياسي ليس هدفاً بحد ذاته، بل هو البيئة التي تزدهر فيها الاستثمارات، وتتطور فيها المشاريع، وتتحسن فيها جودة الحياة.

ومن هذا المنطلق، حافظت دولة الكويت على مكانتها الديبلوماسية من خلال سياسة خارجية اتسمت بالاعتدال، والالتزام بالقانون الدولي، ودعم الحلول السلمية، والسعي إلى تقريب وجهات النظر بين الأشقاء والأصدقاء. وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ صورة الكويت، دولةً تؤمن أن الحوار هو السبيل الأمثل لتجاوز الخلافات، وأن بناء الجسور أكثر جدوى من إقامة الحواجز.

إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات بقدر حاجته إلى مزيد من الحكمة. فالقوة قد تفرض واقعاً موقتاً، لكنها لا تصنع سلاماً مستداماً، بينما تبقى الديبلوماسية، عندما تقترن بالإرادة الصادقة والرؤية الحكيمة، الوسيلة الأكثر قدرة على حماية المصالح، وصون الاستقرار، وفتح آفاق مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.

وفي النهاية، ستظل الديبلوماسية الناجحة هي تلك التي توازن بين حماية المصالح الوطنية، واحترام القانون الدولي، وتعزيز التعاون بين الدول، لأن السلام لا يولد من ساحات المواجهة، بل من طاولات الحوار التي تنتصر فيها الحكمة على الانفعال، والعقل على الصراع.

كاتب ومحامٍ كويتي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓