ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم محمد سالم الراشد

في يوم المُعلم... كيف نصنع من يصنع أبناءنا؟

في يوم المُعلم، نكثر من كلمات الشكر، ونهدي الورود، ونستعيد العبارة الجميلة: «قم للمعلم وفّه التبجيلا». لكن أجمل تكريم للمعلم ليس أن نحتفي به يوماً، بل أن نسأل طوال العام: كيف اخترناه؟ وكيف أعددناه؟ وكيف نساعده ليصنع الإنسان الذي نريد للكويت؟

فالمُعلم ليس موظفاً ينقل المعرفة؛ ولو كانت مهمته كذلك، لكان الذكاء الاصطناعي بداية نهايته. فالآلة تستطيع أن تشرح المعادلة، وتترجم النص، وتختصر الكتاب، وتضع أسئلة الامتحان في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تكون القدوة التي يراها الطفل كل صباح، ولا أن تكتشف انكساره خلف صمته، أو تشعل فيه فضول المعرفة، أو تغرس فيه الأمانة والانتماء والمسؤولية.

ومن هنا يبدأ إصلاح التعليم: من صناعة المعلم قبل صناعة المنهج.

الكويت لا تبدأ من الصفر. فلدينا كلية التربية بجامعة الكويت، وكلية التربية الأساسية التي تعلن أن رسالتها «الريادة والتميز في إعداد المعلم»، وبرامج للتربية العملية والتدريب في مواقف تعليمية حقيقية. كما شهد التعليم الكويتي عبر سنوات برامج لتطوير المناهج، والقياس، والقيادة المدرسية، والمعايير المهنية بالتعاون مع البنك الدولي.

لكن وجود كليات إعداد المعلمين لا يكفي؛ فالسؤال هو: من يدخلها؟ وكيف يخرج منها؟

تجارب التعليم المتقدمة تعلمنا أن اختيار المعلم جزء من جودة التعليم نفسه. لذلك نحتاج في الكويت إلى الانتقال من قبول طالب التربية اعتماداً أساساً على الشهادة والنسبة إلى اختيار مهني متعدد المعايير: تحصيل أكاديمي، لغة وتواصل، شخصية واتزان، قدرة على التفكير، مقابلة مهنية، موقف تعليمي تجريبي، ثم تدريب ميداني حقيقي قبل الترخيص النهائي للمهنة.

والدرس الآخر يأتي من أنظمة تعليمية نجحت لأنها جعلت إعداد المعلم مساراً مهنياً جاداً لا محطة للحصول على شهادة. وتؤكد أحدث نتائج TALIS 2024 أن نحو أربعة من كل خمسة معلمين في الأنظمة المشاركة دخلوا المهنة عبر برامج منتظمة لإعداد المعلمين، كما تؤكد الأدلة أن التدريب والتأهيل يظلان عاملين أساسيين في بناء الخبرة المهنية.

فوفق TALIS 2024، يستخدم نحو ثلث المعلمين في الأنظمة المشاركة الذكاء الاصطناعي في التدريس، بينما ترتفع النسبة إلى نحو 75 % في سنغافورة والإمارات. ومن يستخدمونه يوظفه 64 % منهم تقريباً في إعداد خطط الدروس، بينما لا يستخدمه إلا نحو ربعهم لتحليل أداء الطلبة أو تقويم أعمالهم.

وقد وضعت اليونسكو لهذا التحول إطاراً عالمياً يحدد 15 كفاية للمعلم في عصر الذكاء الاصطناعي، موزعة على خمسة مجالات: التفكير المتمحور حول الإنسان، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وأساسياته وتطبيقاته، وتوظيفه تربوياً، واستخدامه في التطور المهني. واللافت أن نقطة البداية ليست التقنية، بل الإنسان.

يبدأ بإعادة تعريف معايير القبول في كليات التربية، ومراجعة برامجها وفق أفضل المعايير العالمية، وزيادة التدريب داخل المدارس، ثم إنشاء رخصة مهنية للمعلم لا تكون اختباراً ورقياً فقط، بل تقييماً للمعرفة والشخصية والمهارة الصفية والأخلاق المهنية والقدرة الرقمية. وتتجدد الرخصة بالتطوير المهني، مع مسارات واضحة للترقي من معلم إلى معلم أول ثم معلم خبير، ومكافأة التميز الحقيقي في الفصل.

كما أقترح أن تتبنى كليات إعداد المعلمين في الكويت إطار اليونسكو للذكاء الاصطناعي، بحيث يتخرج كل معلم وهو يعرف كيف يستخدم الآلة في التخطيط والتقويم والتعليم الشخصي، وفي الوقت نفسه يعرف متى لا يستخدمها.

وفي يوم المعلم، ربما تكون أجمل هدية نقدمها له ألا نقول فقط: شكراً أيها المعلم، بل أن نبني نظاماً يختار أفضل الناس لهذه الرسالة، ويمنحهم أفضل إعداد، ويضع في أيديهم أحدث الأدوات.

لأننا حين نحسن اختيار المعلم، لا نعيّن موظفاً لأربعين عاماً فقط؛ بل نختار من سيشارك في صناعة أربعين جيلاً من أبناء الكويت.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓