ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم د. خالد أحمد الصالح

جودة التعليم ومستقبل الأمة

أنفقت الكويت، على مدى عقود، الكثير على التعليم، وبنت المدارس والجامعات، ووفرت التعليم المجاني والبعثات الدراسية لأبنائها، حتى أصبحت الشهادة الجامعية طموحاً طبيعياً لمعظم الأسر الكويتية. وهذا إنجاز لا يمكن التقليل من أهميته.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم بشجاعة ليس: كم طالباً تخرج؟ بل: ما مستوى الخريج الذي صنعه تعليمنا؟ فالقضية لم تعد قضية إتاحة التعليم، بقدر ما أصبحت قضية جودة التعليم.

لدينا أعداد متزايدة من الخريجين وحملة الشهادات العليا، لكن الشهادة وحدها لا تصنع طبيباً متميزاً، ولا مهندساً مبدعاً، ولا معلماً ناجحاً، ولا موظفاً قادراً على تطوير مؤسسته؛ القيمة الحقيقية للشهادة في ما اكتسبه صاحبها من معرفة ومهارة وقدرة على التفكير وحلّ المشكلات وتحمل المسؤولية.

لقد آن الأوان أن نراجع ثقافة تعليمية ترسخت لسنوات، تقوم في جانب منها على الحفظ من أجل الامتحان، والامتحان من أجل الدرجة، والدرجة من أجل الشهادة، والشهادة من أجل الوظيفة، ولكن أين المعرفة في هذه السلسلة؟ وأين المهارة؟ وأين الإبداع؟

إن الطالب الذي يحفظ عشرات الصفحات ثم ينساها بعد الامتحان لم يتعلم بالمعنى الحقيقي، والمعلم الذي يُطلب منه إنهاء المنهج أكثر مما يُطلب منه التأكد من فهم طلابه يصبح، رغم جهده، جزءاً من عملية هدفها إكمال المقرر لا بناء العقل، والأخطر أن ضعف الجودة في مرحلة تعليمية ينتقل إلى المرحلة التالية؛ فالجامعة لا تستطيع وحدها معالجة كل ما تراكم خلال اثني عشر عاماً من التعليم المدرسي، وسوق العمل بدوره لا يستطيع أن يحول كل خريج إلى صاحب كفاءة بعد تعيينه.

لذلك، فإن إصلاح التعليم يبدأ من المعلم. علينا أن نعيد للمعلم مكانته، وأن نجعل مهنة التعليم جاذبة لأفضل الكفاءات، وأن يكون التدريب والتقييم المستمران جزءاً من المهنة، لا مجرد دورات وشهادات تضاف إلى الملف الوظيفي.

كما أن المناهج تحتاج إلى فلسفة مختلفة؛ لسنا بحاجة إلى حشو المزيد من المعلومات في الكتب، فالمعلومة اليوم متاحة للطالب بضغطة زر؛ نحن بحاجة إلى طالب يعرف كيف يبحث عنها، ويتحقق منها، ويناقشها، ويختلف حولها بأدب، ثم يستخدمها في حل مشكلة حقيقية.

وهذا أكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فالآلة تستطيع اليوم أن تسترجع المعلومات وتكتب وتترجم وتحلل بسرعة مذهلة، ولذلك فإن المدرسة التي تستمر في قياس تفوق الطالب بقدرته على استرجاع المعلومات فقط، إنما تعدّه لعالم بدأ بالفعل في تجاوز هذه المهارة.

وفي الكويت تحديداً، لا يمكن فصل إصلاح التعليم عن إصلاح سوق العمل. فإذا كانت الشهادة في ذهن الطالب طريقاً شبه مضمون إلى الوظيفة، بصرف النظر عن مستوى المهارة أو حاجة الدولة إلى تخصصه، فمن الصعب أن نجعل الجودة أولوية؛ يجب أن تصبح الكفاءة، لا مجرد المؤهل، هي العملة الحقيقية في سوق العمل، ولا يعني ذلك التقليل من أبنائنا أو معلمينا أو مؤسساتنا التعليمية. لدينا نماذج كويتية متميزة في الطب والهندسة والعلوم والأدب والاقتصاد وغيرها، أثبتت قدرتها داخل الكويت وخارجها؛ المطلوب أن يصبح التميز هو القاعدة التي يصنعها النظام، لا الاستثناء الذي يصنعه اجتهاد الفرد.

الكويت لا ينقصها المال لبناء تعليم جيد، ولا تنقصها القدرة على الاستفادة من أفضل التجارب العالمية؛ ما نحتاجه هو أن نجعل جودة المخرجات هي المعيار الأول لكل إصلاح تعليمي، فبدلاً من أن نسأل كل عام: كم مدرسة افتتحنا؟ وكم بعثة أرسلنا؟ وكم طالباً تخرج؟ علينا أن نسأل: هل أصبح الطالب الكويتي أفضل في القراءة والفهم؟ هل تعلم العلم بلغته فأدرك كل جوانب المعرفة أم فرضنا عليه لغة أجنبيه لزوم الديكور فأصبح عقله حافظاً لا ملهماً؟ هل أصبح أكثر قدرة على التفكير والتحليل؟ هل تحسنت مهاراته في البحث والعلوم والرياضيات؟

هذه هي مؤشرات النجاح الحقيقية؛ فالدول لا تتقدم بكثرة الشهادات المعلقة على الجدران، وإنما بالعقول القادرة على تحويل العلم إلى إنتاج، والمعرفة إلى ابتكار، والوظيفة إلى مسؤولية.

والكويت التي استثمرت كثيراً في التعليم، حان الوقت أن تجعل استثمارها الأكبر في جودته؛ لأن التعليم الجيد لا يصنع خريجاً يبحث عن وظيفة فحسب، بل يصنع إنساناً قادراً على أن يصنع وظيفة، ويحل مشكلة، ويبتكر فكرة، ويسهم في بناء وطن.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓