الوافدون... بين الحاجة الاقتصادية والكرامة الإنسانية
أصبح موضوع الوافدين من القضايا التي يكثر حولها الجدل، والكويت اعتمدت تاريخياً على الانفتاح والتجارة والتواصل مع الشعوب، وأن أكثر من مئة جنسية تعمل اليوم في مختلف المجالات، من البناء والنظافة والخدمات إلى الطب والهندسة والتعليم، ومع توسع الدولة الحديثة، أصبحت الاستعانة بالخبرات والعمالة الوافدة ضرورة لسد احتياجات سوق العمل، خاصة في المهن التي لا تكفي مخرجات التعليم المحلية لتغطيتها.
وتاريخ الكويت يؤكد أن الوافدين لم يكونوا ظاهرة حديثة مرتبطة بالنفط فقط، فقد نشأت الكويت كمجتمع بحري وتجاري ارتبط بالهند والعراق وبلاد فارس وشرق أفريقيا وغيرها، وكان البحر والتجارة والغوص وصناعة السفن والنقل أساساً للاقتصاد كما تذكر كتب التاريخ، وبعد اكتشاف النفط، تضاعفت الحاجة إلى العمالة والخبرات، فشارك الوافدون في بناء الطرق والمساكن والمستشفيات والمدارس، وبالتالي فإن الوافد كان جزءاً من رحلة بناء الكويت الحديثة، وإن اختلفت طبيعة أدواره باختلاف المراحل الاقتصادية.
ومن الطبيعي أن تضع الدولة سياسة واضحة لأعداد العمالة وأنواعها وربطها بحاجات الاقتصاد، وأن تعطي المواطن أولوية في الوظائف التي يستطيع القيام بها بعد تأهيله وتدريبه، لكن لا يجوز تحميل الوافدين مسؤولية سياسات الاستقدام أو مسؤولية تجارة الإقامات والشركات الوهمية كما كانت في السابق، فالوافد الذي جاء بعقد قانوني ودفع أمواله بحثاً عن العمل لا يتحمل مسؤولية من استقدمه ثم تركه بلا عمل أو مأوى.
كما أن الوافدين أنفسهم ليسوا كتلة واحدة؛ ففي كل مجتمع الصالح والمخطئ، لذلك ينبغي أن تكون المحاسبة على السلوك والمخالفة، مَنْ يرتكب جريمة أو يخالف القانون يجب أن يعاقب وفق القانون، سواء كان مواطناً أو مقيماً، ومَنْ يحقق إنجازاً أو يتميز في عمله ينبغي أن يحصل على التقدير المناسب.
وفي الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل التحديات التي يعيشها بعض الوافدين، خصوصاً العمالة ذات الدخل المحدود، فهناك قضايا تتعلق بالسكن والأجور والاستقدام وظروف العمل، وهي قضايا تستحق المعالجة الجادة، وهناك خطوات بدأنا نلمسها في هذه الأيام، خاصة فيما يتعلق بالأجور، ووجود آليات فعّالة لحماية الحقوق.
وتكشف تجارب الدول المتقدمة أن التعامل مع الوافدين لا يقوم فقط على استقدام العمالة، بل على المنافسة العالمية لجذب الكفاءات، فدول كثيرة تضع تأشيرات خاصة للمهارات العالية، وتوفر مسارات للإقامة طويلة الأجل، وتستقطب الأطباء والمهندسين والباحثين ورواد الأعمال والطلاب المتميزين، والسبب أن الإنسان المتميز لا يمثل مجرد موظف، بل يمكن أن يكون مصدراً للمعرفة والاستثمار والابتكار وخلق الوظائف، وهذا يفتح أمام الكويت فرصة لإعادة صياغة سياستها بحيث تركز على نوعية العمالة المطلوبة، وليس على العدد فقط.
وتقدم الجالية الهندية مثالاً على قيمة الكفاءات المهاجرة، فقد وصل عدد من أصحاب الأصول الهندية إلى قيادة شركات عالمية كبرى، كما أسس رواد أعمال من أصول هندية شركات ناجحة في دول مختلفة، وهذا يوضح أن معيار النجاح الحقيقي هو الكفاءة والقدرة على الإنتاج، وليس الجنسية وحدها، فالإنسان عندما يدير أمواله الخاصة يبحث عن أفضل طبيب ومدير ومهندس ومستشار دون أن يسأل أولاً عن جنسيته، ولذلك ينبغي أن يكون الهدف في الاقتصاد الوطني هو الاستفادة من أفضل الكفاءات، مع ضمان أولوية المواطن وتأهيله للمستقبل.
والمطلوب رؤية واضحة لسوق العمل تربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، وتطور مهارات المواطنين، وتستقدم العمالة وفق الحاجة الفعلية، وتحمي حقوق العامل، وتستقطب الكفاءات النادرة. فالكويت أولاً، وهذا أمر طبيعي، لكن تحقيق مصالح المواطن يكون بالعلم والتخطيط والقانون، والوافد ليس بديلاً عن المواطن، كما أن المواطن ليس خصماً للوافد، كلاهما يمكن أن يكون جزءاً من منظومة اقتصادية منظمة، يكون فيها المواطن متمكناً، والوافد محترماً، والقانون عادلاً، وسوق العمل قائماً على الكفاءة والحاجة.