المجلس القادم
من الطبيعي أن نطالب بتعديل وزاري لشغل المناصب الشاغرة في الحكومة، فالقاعدة أن الإدارة استمرارية والتفويض استثناء مهما كانت كفاءة حامل الحقيبتين أو المكلّف بأكثر من قطاع.
هناك وزارات بلا وزير وتُدار بالتكليف، وهناك مراجعة يفترض أن تكون جرت لتقييم الأداء من باب الكفاءة المهنية وليس الاعتبارات الشخصية، وهناك تصور نعتقد أن التجربة كفيلة ببلورته عن حجم التقدم هنا والتعثّر هناك، وعن حجم الالتزام هنا بالمهل المحدّدة للإنجاز وعن التأخر هناك.
قلتها في السابق وأعيدها اليوم، ما أتمناه كمواطن هو وجود حكومة تضم رجال دولة من الطراز الرفيع، والكويت مليئة بالكفاءات وبمثل هؤلاء.
وما أتمناه هو ألّا نركز فقط على الشخصيات المرشّحة للحكومة من ضمن الاختصاصات التي تتعلّق بالحقيبة نفسها، وكمثال على ذلك فإن أحد أفضل الكفاءات التي تسلّمت وزارة الأشغال العم حمود النصف، رحمه الله، الذي لم يكن حاصلاً على شهادة هندسة، كذلك فإن أفضل من مرّ على وزارة الصحة في مرحلة ما بعد الغزو كان المرحوم أنور النوري والدكتور عادل الصبيح أطال الله في عمره والاثنان ليسا من الحقل الطبي.
الوزير رجل دولة عليه أن يتعامل كقائد فعلي لا على قاعدة الموظف الخاضع للتقارير والبيروقراطية. عليه أن يكون مؤثراً وملهماً للفريق التابع لإدارته ولجميع موظفي الوزارة. والمطلوب منه أن يكون قدوة في الاتقان، مطوراً للعمل المؤسساتي، مواكباً للحداثة والتطور ولغة العصر، يضع خدمة الناس والدولة هدفاً أول ويعتبر المنصب وسيلة لا غاية.
منصب الوزير سياسي، هو فرد من منظومة اسمها مجلس الوزراء منوط بها إدارة البلد. واليوم تحديداً وخصوصاً في ظل عدم وجود مجلس أمة فإنّ الحكومة سُلطة تنفيذية وتشريعية في الوقت نفسه، وهو الأمر الذي يفترض وجود أعلى درجات اليقظة في الاختيارات الصحيحة، لأن المهمات المطلوبة استثنائية وتحتاج إلى كفاءات وعقول إدارية وأصحاب رؤى وطنية ملتزمة بالعمل والإنجاز.
وفي الوقت نفسه، يجب عدم إغفال حقيقة مهمة، وهي أن اختيار وكلاء الوزارات والقياديين فيها لا يقل أهمية عن اختيار الوزراء.
وكلاء الوزارات هم رأس العمل الإداري في الوزارة ويجب أن يكونوا متخصّصين كل في مجاله. هم المحرك الذي يستند عليه قطار العمل، أي قلب الانطلاق والتقدم، وإذا كان القلب ضعيفاً والمحرك متهالكاً فلا قطار ينطلق ولا عمل يحقق تقدماً ولا نتائج تلمس.
وفي الظروف والأوضاع التي تعيشها الكويت حالياً على مختلف المستويات، من التحديات الخارجية إلى انعكاساتها الداخلية، أتمنى أيضاً الوصول إلى حالة من الانسجام والتناغم في عمل مجلس الوزراء. لا أريد الاستفاضة في هذه الجزئية لأنها ليست سراً، إنما فقط القول إن تكاتف جميع أعضاء السلطة التنفيذية في الأوضاع الطبيعية لا يعطي نتائج كاملة وهذه طبيعة السياسة والحياة، فما بالنا والخشية ما زالت موجودة من اعتداءات الخارج... وقلوبنا ما زالت خائفة على المرافق والمنشآت الحيوية.
وفي إطار التمنيات أيضاً، ولنكن أكثر صراحة، فالإنجازات تُقاس بمدى توافقها مع التقدم في خطط التنمية الأساسية. إمكانات الكويت كبيرة وكبيرة جداً، والمشاريع الضخمة لها أسس وأهداف وتكاليفها عالية، لذلك فمتابعة مشروع هنا أو افتتاح مشروع هناك ليسا غاية الطموح خصوصاً أن الأرقام والمهل شبه جامدة أو متحركة ببطء، وإذا كان هذا الوزير أو ذاك المسؤول يعتقد أن الصور الميدانية تقربه من الناس فهذا خطأ لأن الناس تريد الصورة الكبيرة للتحول الاقتصادي وليس الصور الصغيرة المرحلية.
وأفضل مثال على ما نقول هو زيارات سمو رئيس الحكومة التفقدية المتكرّرة للمطار، في الوقت الذي سجّل مطار الكويت نمواً سلبياً في عدد الركاب والرحلات بين عامي 2023 و2025 بينما سجّلت كل مطارات الخليج نمواً إيجابياً. بالإضافة إلى ذلك ما زالت كل الشركات العالمية تقريباً عازفة عن تسيير رحلات إلى الكويت. هذا المثال يعنينا مباشرة كمواطنين، فما نفع الزيارات إن كنا في آخر الركب بين مطارات الدول المحيطة، وإن كانت شركات الطيران العالمية تقاطعنا؟
تبقى كلمة، آن الأوان لإعادة التفكير الجدي في كيفية وأسلوب اختيار الوزراء وتغيير النمط السائد. لا يجوز لمجلس مهمته التنفيذ والتشريع حالياً أن تبقى الآلية رهينة اختيار مستشار أو اثنين يتلقيان سيراً ذاتية لمرشحين ويجلسان معهم لدقائق معدودات وإبقائهم رهن التبليغ. الكويت مليئة برجال الدولة والمطلوب فقط أن نصل إليهم، لأن صاحب الكفاءة والرؤية والخبرة لن يعرض نفسه على أحد ... والمفروض أن نذهب نحن إليه.