ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiالافتتاحية بقلم جاسم مرزوق بودي

القرار لصاحب القرار

تُسرب شخصيات ووسائل إعلام إسرائيلية وغيرها أخباراً مفادها أن الكويت ستنضم إلى اتفاقيات مع إسرائيل وتطبّع العلاقات... وهذه الأمور التي تعوّد الكويتيون على سماعها كل فترة تهدف من ضمن ما تهدف، إلى أمرين: خلق انقسام مع بعض الدول العربية، وإحداث سجال داخلي.

بالنسبة لمحاولة خلق انقسام مع دول عربية على قاعدة تناقض المواقف، وبغض النظر عن موقف النخب السياسية الفلسطينية من ليبيرالية وإسلامية وحتى «جهادية» المتخاذل تجاه الكويت في فترات مصيرية وصعبة، إلا أن موقف الكويت من القضية الفلسطينية واضح وثابت ويرتكز باختصار على التالي:

وللإنصاف، حتى بعض الدول المرتبطة باتفاقات سلام مع إسرائيل تتمسك بهذه المبادىء والغايات وتختلف مع غيرها في موضوع الوسيلة، ولذلك فمحاولات خلق انقسام مردودة على أصحابها.

أما بالنسبة لمحاولة خلق سجال داخلي كويتي، فلدينا تشريعات للمقاطعة ومنع مظاهر التطبيع مع إسرائيل، ومن أبرزها القانون رقم 21 لسنة 1964. والأهم من التشريعات والقوانين هو ضرورة معرفة طبيعة الشعب الكويتي من جهة وعلاقة هذا الشعب بمرجعياته وقيادته السياسية من جهة ثانية.

الكويتيون جبلوا على الإنسانية ورفض الظلم والتعاطف مع الضحية وليس مع الجلاد. تشربوا مبدأ إغاثة الملهوف ونصرة المحتاج. تربّوا على عمل الخير والمحبة وكانوا رُسل سلام في المحيط والعالم، ومن الصعب أن تتغير هذه الطبيعة مهما واجهت الكويت تحديات، ومهما تعرضت لضغوطات.

والكويتيون لديهم علاقة خاصة بالقضية الفلسطنية تاريخياً وقضايا العرب المحقة، فمن أرضهم انطلقت منظمة التحرير، وكانوا على الدوام قاعدة دعم رئيسية لهذه القضية. وهم يميزون بين مناصرة مبدأ رفض الاحتلال والتهجير وبين سلوك القيادات الفلسطينية التي وقفت مع المحتل ضد الكويت في موقف تاريخي أسود ترك جرحاً مفتوحاً في العلاقات. لكن بعض الصحوات تفرض مسارها مع حفظ السيادة والكرامات، ولذلك حصل الاعتذار من السلطة الفلسطينية لاحقاً وتكونت قناعات جديدة لديها بأن من يرفض الظلم لا يمكن أن يكون مع الظالم تحت أي ظرف أو مبرر كان.

ومن معرفة طبيعة الشعب الكويتي إلى معرفة طبيعة العلاقة بين الشعب الكويتي وقيادته. الكويتيون يحبون قائدهم ووالدهم الشيخ مشعل الأحمد. هم جبلوا على الديمقراطية والحريات وإبداء الرأي تحت سقف الدستور، إنما عندما يتعلق الأمر بمواقف مصيرية وأساسية يكون «السمع والطاعة» عنوان المرحلة.

صاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد، رجل كرّس عمره كله تقريباً من أجل فرض هيبة القانون وسيادته، ولذلك يمتلك رؤية خاصة في ما يتعلق بالنزاعات والصراعات والاتفاقات الإقليمية والدولية. هذه الرؤية تقوم على الحلول السياسية واحترام القوانين الدولية والقرارات الأممية. السياسة فن الممكن بالنسبة له، لكن الالتزام الأخلاقي صنو القانون عنده أيضاً، وإذا كان طريق الحل واضحاً فلا مسار غيره حتى ولو نبت الشوك على كل جوانب الطريق.

وصاحب السمو منذ البداية، ربط السياسة الخارجية الكويتية بالمصلحة العامة أولاً وبالمصالح المشتركة مع إخوانه في دول الخليج. البيت واحد والهدف واحد مهما تباينت الرؤى أو الوسائل. الوضوح والمباشرة عنوانا الدور الكويتي الحالي بعيداً من أدوار التسويات والوساطات والاتفاقات غير المعلنة. رأينا الكويت سابقاً ساحة لقاءات لمتصارعين استنزفت الجهد والمال ولم تتحقق الغايات المرجوة منها، بينما اليوم مصلحة الكويت ومصالح أشقائها في الميزان قبل أي تحرك.

من يعتقد أن الكويت غافلة عما يُحاك لا يعرف الشيخ مشعل الأحمد، فسموه يعيش أدق التفاصيل ويتابع كل المستجدات ويقود ويأمر ويوجه وفق الرؤية التي تحدثنا عنها، أي ثالوث: السياسة والقانون والالتزام الأخلاقي. ولذلك فعندما يتخذ أي قرار يقف جميع الكويتيين خلفه لأن حرصه على الكويت نفس حرص كل كويتي على بلده.

موقف صاحب السمو في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية مدروس ومقدر وبالتأكيد هو لمصلحة الفلسطينيين، مع العلم أن أصحاب القضية يجب أن يتفقوا أيضاً وقبل كل شيء على مصالحهم الوطنية، وعليهم هم أن يقرروا المسار الذي سيسلكوه لحل الأزمة. هل يريدون الحرب السياسية والديبلوماسية لاستعادة الحقوق؟ هل يريدون القتال العسكري؟ هل يريدون القرار الفلسطيني المستقل أم الارتهان لنفوذ هذه الدولة أو تلك؟ هل سيستمرون في التعاون الأمني والسياسي مع إسرائيل صباحاً ثم يتفرغون ليلاً لشتم العرب المرتبطين باتفاقات سلام؟

الكويت على موقفها، والكويتيون رغم الأذى الذي طالهم على موقفهم، وصاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد يقود السفينة وسط أعتى العواصف التي تضرب المنطقة ولا نملك سوى المؤازرة والالتزام بما يقرر عبر «السمع والطاعة».

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓