زمن القرامطة ولَّى يا حوثة
زمن القرامطة عفى عليه الزمن، لن يعود مهما تبدلت الظروف، وعلى النظام الإيراني، ومعه عميله الحوثي، إدراك ذلك، فالعالم تغير كثيراً، كما أننا لسنا اليوم في حرب دينية أو طائفية، حتى أن الشيعة المناوئين لنظام آيات الله لن يقبلوا خوض حرب طائفية كرمى لعيون قادة طهران.
إن العدوان على مكة، من جهة الحوثيين، يعني التصادم مع مليار ونصف المليار مسلم، على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، وهذا لا بد أن يكون في ذهن من يسعى إلى زعزعة أمن الحرمين الشريفين، فهما خط أحمر لكل المسلمين، وساذج من يعتقد غير ذلك، بل خارج على العقائد الدينية، حتى المتطرفة سياسياً الكافرة بكل الأديان والملل.
هذا الكلام ليس عاطفياً، بل واقع تثبته الوقائع منذ الأزل، لذا فإن المحاولة جلبت الخيبة على من حاول ارتكاب تلك الجريمة، بتهديد مكة المكرمة، فهي ضد الإنسانية والقيم كافة، وفي كل الحروب، كانت المقامات والمواقع الدينية ممنوع المسّ بها.
خطط للرحلات الموسمية
أخبار رياضية
حمل مصادر تعليمية
هنا علينا التدقيق في المنهج السياسي الذي يسير عليه نظام طهران، ومن لفّ لفه، فهو ليس من الدين بشيء، مهما تذرّع شعاراتياً بالإسلام، بل هو يقوم على أسس نافية للعقيدة، بكل تلوناتها.
هذا من الجانب الديني، بينما في الجانب الآخر، المملكة العربية السعودية اقتصادياً لديها قدرات كبيرة، لا يمكن للعالم أن يتخلى عنها، ففي النفط تمتلك 268.5 مليار برميل، إضافة إلى أنها أعلنت قبل أيام احتياطياً من المعادن النادرة واليورانيوم يبلغ 114 مليون طن، وكلنا نعرف ماذا تعني هذه الأرقام للعالم.
أضف إلى ذلك، أن للرياض تحالفات عسكرية وسياسية عدة، آخرها "تحالف مكة"، وهي بالتالي لن تكون ضعيفة في مواجهة شرذمة ميليشياوية حوثية تلقت التأديب مرات عدة من خلال "عاصفة الحزم" حين حاولت الاعتداء على المملكة ودول الخليج، فيومها هبت جيوش "مجلس التعاون" لقمع الحوثيين الذي انكفأوا على أعقابهم لسنوات.
هنا علينا الاعتراف بحقيقة أن المضائق المائية، هرمز وباب المندب، أثرا على حركة الملاحة، وسلاسل الإمداد، وهي مشكلة ليست خليجية، ولا سعودية فقط، بل عالمية، وحين يهدد الحوثي أمن البحر الأحمر، فهو بذلك يدفع نفسه إلى تشديد حبل المشنقة عليه أكثر، لأنه يهدد الأمن القومي المصري بالدرجة الأولى، وكذلك سلاسل الإمداد.
لهذا، فإن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة، لها دلالات كبيرة، لأن أي أذى لمصر هو أذى للسعودية ومن خلفها دول "مجلس التعاون" كافة، وهذا لم يأخذه الحوثي في حساباته.
إن الحروب اليوم تغيرت عما كانت عليه قبل مئات السنين، بل قبل عقود قليلة، فهي تخاض بالصواريخ والتكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي، وليس فقط بحشد الجيوش، وهذا الأمر لم يأخذه الحوثي في حسبانه، لاعتماده على بالون منفوخ ضجيجاً إعلامياً، اسمه النظام الإيراني.
إن الضعيف المتوهم نفسه جباراً وقوياً تنطبق عليه نظرية علم النفس عن الغرور، والمتمثلة في "القط الذي نظر في المرآة فرأى نفسه أسداً"، وهذا هو النظام الإيراني، الذي لم يدرك أنه أصبح بين فكي كماشة، بعدما تحررت سورية من براثنه، وضعف ذنبه "حزب الله" اللبناني، وبدأت الحكومة العراقية العمل على قص أجنحة الميليشيات الطائفية التي زرعتها طهران بعد العام 2003.
من هنا، لن يعود التاريخ إلى الوراء، بعد كل هذه التطورات، كما أن الحرمين الشريفين لن يكونا مكاناً لخزعبلات الحوثي أو النظام الإيراني، فالدولة التي تستطيع تنظيم حشد ثلاثة ملايين حاج في وقت واحد، والتي يفد إليها كل عام نحو 36 مليون معتمر، لديها القدرة على الحسم، لكن حين ترى أن الحكمة لم تعد تفيد.