السعودية منصورة
مباشرة وبكل وضوح: الحديث لا علاقة له فقط بالمشاعر التضامنية، بل بالمصالح الوطنية أولاً. ما يحصل من اعتداءات آثمة على المملكة هو اعتداء على الكويت وعلى كل دولة من دول الخليج، بل على كل دولة عربية.
أكرر: الكلام لا علاقة له فقط بالمشاعر والمحبة والامتنان للمملكة على كل ما قامت وتقوم به لرعاية وحماية البيت الخليجي، بل لأن أي أذى يلحق بالسعودية يعني هزّ أسس الاستقرار في المنطقة. وإذا تضرر عمود البيت، لا سمح الله، فالأخطار لن تقتصر على الأساسات، بل ستهدد البيت وساكنيه.
كانت المملكة أبعد رؤية من غيرها عندما اكتشفت مبكراً خطر وجود أدوات في دول مجاورة تأتمر من دولة خارج حدودها. وتثبتت صحة هذه الرؤية قبل نحو عشر سنوات، مع نصب بطاريات صواريخ عند الحدود وبدء التحرشات العسكرية، وفشل كل محاولات الحلول الدبلوماسية والهادئة التي ترعى مصالح جميع الأطراف.
تصرفت المملكة، كعادتها، من منطلق الأخ الأكبر الذي يستوعب الجميع، لكن إرادة الأذى كانت أكبر، ما اضطر صاحب البيت إلى إطلاق «عاصفة الحزم». ثم، عندما تغيرت المعطيات على الأرض، ومن منطلق الحرص على اليمن، تم التوافق على حل سياسي تشاركي بين جميع الأطراف، وتسيير جسر إغاثة، هو الأكبر في التاريخ، لمداواة الجراح.
ضُبطت الأمور نسبياً، وأُطلق العنان للتوافق السياسي الذي تراوح بين التقدم والتعثّر، إلى أن انكشفت الأقنعة مع الحرب الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران، واتضح حجم التنسيق والترابط بين إيران وأذرعها في المنطقة، وظهر التناغم جلياً من جنوب المملكة ومن شمالها، بهدف تحقيق أكبر قدر من الأذى للسعودية ولدول مجلس التعاون الخليجي أيضاً.
تفرغت المملكة للرد العسكري والضبط الأمني، بالتوازي مع مهمة مساعدة دول المنطقة على الصمود، ليس من النواحي العسكرية والأمنية فحسب، بل في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والغذائية أيضاً. تحولت، مثلاً، إلى رئة للكويت تتنفس منها أرضاً وجواً وبحراً، وسيّرت قوافل الدواء والغذاء إلى مختلف دول الخليج، ونظمت، عبر الأمانة العامة لمجلس التعاون، آليات الموقف السياسي الموحد في مقاربة الأزمة، وخلاصته: لا للاستمرار في الحلول العسكرية، ولا للانجرار إلى حرب مفتوحة، ولا تهاون في الرد والردع.
في الأيام الماضية، تعرضت المملكة لاعتداءات من أكثر من مصدر، وكلها تدور في فلك جهة واحدة. بيانات التضامن المعتادة لم تعد تكفي. والإدانة والشجب والاستنكار لم تعد تكفي. لا بد من خطوات فاعلة، لأن الهم واحد... والدم واحد.
لم يعد جائزاً السماح بأن يكون الأمن ورقة في ملف ابتزاز إقليمي وعالمي. الأمن ركيزة الاستقرار، والاستقرار لن تدعمه سوى وحدة المسار والمصير. لا بد من تغيير آليات التعاون وتحويلها إلى آليات اتحادية، ليتم التعامل مع هذه المنطقة الخليجية كبناء واحد، بجدران صلبة وأعمدة فولاذية.
يستهدفون الممرات المائية الدولية، ويغلقونها أو يعيقون الحركة فيها. يستهدفون شرايين الحياة من منشآت نفطية وأنابيب وناقلات. يستهدفون الخدمات المتعلقة بأمور الناس، مثل الكهرباء والماء. يستهدفون المدنيين الأبرياء في منازلهم، ثم يدخل الجميع في آليات التفاوض والبنود والأولويات... تنفرج هنا، وتنفجر هناك، ويُعاد إدخال المنطقة في دهاليز المصالح غير المعلنة سياسياً واقتصادياً.
ويا أهلنا في المملكة العربية السعودية، لا ينسى فضلكم وشهامتكم ورجولتكم إلا كل جاحد وجاهل وناكر للجميل.
كنتم وما زلتم أول من يقف إلى جانبنا في كل الملمات، بل ربطتم مصيركم بمصيرنا عبر الموقف الخالد لخادم الحرمين الشريفين الراحل فهد بن عبدالعزيز: «إما أن نعيش معاً أو ننتهي معاً»..
واليوم نقولها من العقل قبل القلب: إما أن نعيش مع المملكة معاً كخليجيين، وإما ننتهي معاً.
لا توجد أنصاف حلول عندما يكون المصير كله على المحك، ولن تعود هناك أسقف فوق رؤوسنا إذا تخلخل أساس البيت.