ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alseyassahالافتتاحية بقلم أحمد الجارالله

وزير العدل... شيك بلا رصيد ليس جناية

وزير العدل... شيك بلا رصيد ليس جناية

يُدرك الجميع جهود وزير العدل المستشار ناصر السميط، وعمله الدؤوب على تطوير قوانين الدولة، التي وضعت منذ الاستقلال، وبقيت على حالها، إلا بعضها الذي عُدل في فترات سابقة، إلا أن الجهد الكبير الذي يبذله الوزير منذ تسلمه المنصب، وتحديثه نحو 300 قانون، يُحسب للرجل.

فمنذ وضع الدستور عام 1962، وبدأت ورشة القوانين، أُقر ما يزيد على 930 قانوناً، ورغم المتغيرات الاجتماعية وتطور المجتمعات والعالم كافة، أصبحت تلك التشريعات ضرورة ماسة للتحديث، لكن للأسف بقيت على ما هي عليه، لأن ثمة من كان يستفيد من الثغرات الموجودة فيها، ويرفض المسّ بها.

لذا، هنا علينا القول: شكراً معالي الوزير على جهدك لتحديث الوجه الحضاري للكويت، لأن طبيعة الشخصية الاعتبارية لأي دولة تظهر من خلال تشريعاتها، وليس فقط العمران والبنية التحتية.

وكي يكتمل المشهد الحضاري للكويت، لا بد من تعديل وإلغاء بعض القوانين التي لا تخدم السعي المبذول للتطوير الحضاري للدولة، فهناك قرارات وتشريعات ليست عادلة، وتضعف الهيبة القانونية، بل إنها تمنع القضاة من تطبيق روح القانون في مجالات عدة، وهذا لا شك يحتاج إلى تعديل التشريع حتى ينسجم مع الحداثة.

من تلك القوانين تجريم الشيك من دون رصيد، ففي هذا المجال ثمة منغصات اجتماعية وأسرية، إضافة إلى تكاليف على الدولة لا داعي لها، بل هي إثقال على المال العام.

وبما أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس من مصادر التشريع الوضعي للدولة، فإن ذلك يعد نقيصة تشريعية، لأن تجريم الشيك دون مؤونة، لا ينسجم مع الفلسفة الدستورية، ولهذا فإن معظم دول العالم عدلت تشريعاتها، ولم تعد تجرم ذلك، لأن المفهوم القانوني يقوم على أن هذه قضية مالية، ولا تدخل ضمن الجنايات، كما هو معمول به في الكويت.

إن مواكبة التشريع الحديث ينطلق من تسهيل الأمور على المجتمع، وليس المزيد من الأعباء، فإذا كان هناك محتاج وليست لديه القدرة على السداد، فهذا له مسار آخر خيري، لكن درجت العادة عند المرابين أن يستغلوا تلك الحاجة للإثقال على كاهله، فيعملون على رفع الفائدة الربوية عليه، حتى تصل إلى أضعاف المبلغ، ويجعلونه يوقع شيكات من دون رصيد، ثم يدفعون بها إلى المحاكم عند التأخر في السداد.

ولأن القانون الكويتي لا يزال يجرم الشيك دون مؤونة، لذا يكون الحبس ثلاث سنوات، وإذا كان هناك أكثر من شيك تزيد المدة، وعلى هذا الأساس هناك سجناء يقضون 15 سنة خلف القضبان، ما يحمل الدولة أعباء كبيرة، مالية واجتماعية واقتصادية.

صحيح أن وزارة العدل، كل عام، تطلق حملة تبرعات من أجل السداد عن الغارمين، لكن الأمر مقتصر على مبلغ لا يتعدى عشرة آلاف دينار، ورغم أنها تخفف عن الناس، لكنها في الوقت نفسه لا تكفي، لأن هناك ما يزيد على 120 ألفاً ممن اتخذت إجراءات عقابية بحقهم، وهذه نسبة كبيرة في مجتمع صغير، بينما إلغاء تجريم الشيك يفسح في المجال للمعسر أن يعمل كي يسدد، لكن حين يكون في السجن فهو غير منتج، ويزداد عسره، ويكلف الدولة حراسته والعناية به، ومعيشته، لحساب الدائن المشتغل.

دول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك معظم الدول العربية والأوروبية أنهت تجريم الشيك من دون رصيد، وفي الكويت فإن المظهر الحضاري يستدعي إلغاء المواد التي تجرم هذا النوع من المعاملات المالية، طالما أن المفرط هو من فرط في ماله.

معالي وزير العدل، إن العدل بين الناس رحمة، والإسلام أمر بالعدل المطلق.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓