ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم د. أريج السنان

الموبايل في جيبي!

يكاد الهاتف لا يفارق أيدينا؛ يرافقنا في البيت والعمل والطريق، وفي أوقات الانتظار والراحة، حتى أصبح أقرب الأجهزة إلينا وأكثرها حضوراً في تفاصيل يومنا. وقد قرّب المسافات، واتسعت وظائفه من التواصل إلى العمل والتعلم والمعرفة والترفيه، فهو جهاز قرّب إلينا العالم.

لكنه صار عند كثير من الناس سبباً في الانشغال عن عالمهم القريب؛ يأخذ من وقتهم وانتباههم، وقد تبعدهم عمن يجلس إلى جوارهم.

ومن أبرز آثاره سرقة الوقت؛ فقد يدخل الإنسان إلى هاتفه لقضاء دقائق، ثم يكتشف أن وقتاً طويلاً قد مضى دون أن يشعر، متنقلًا بين التطبيقات والمواقع، حتى تصبح الساعات التي كان يمكن أن ينجز فيها أعماله أو يستفيد منها في شؤون حياته وقتاً مستهلكاً دون فائدة حقيقية.

كما أن الزيارات العائلية التي كانت مساحة للحديث وتبادل الأخبار ومشاركة تفاصيل الحياة، وربما مناقشة المشكلات والمساعدة في حلها، غيّر الانشغال بالهواتف شيئاً من طبيعة هذه اللقاءات؛ فقد يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد، بينما يتوزع انتباههم بين من حولهم وشاشاتهم، فيقل الحديث والإصغاء والمشاركة. ومع تكرار ذلك تفقد الزيارة شيئاً من دفئها وغايتها، فقد صار بعضها زيارة صامتة، تتحدث فيها الأجهزة أكثر من أصحابها، يشعر بعض أفراد الأسرة بالعزلة رغم وجودهم معاً، لاسيما مع اختلاف الأجيال واحتياج بعضها إلى قدر أكبر من الحديث والاهتمام.

ولا يقف أثر هذا الانشغال عند حدود الأسرة، بل قد يمتد إلى علاقة الإنسان بمن حوله، فتقل مشاركته في اللقاءات والأنشطة، ويضعف تعاونه مع الآخرين. وأصبح جانب من التواصل يُختصر في ضغطة إعجاب، أو ابتسامة، أو رمز للتعاطف، حتى أصبحت هذه الإشارات في بعض الأحيان بديلاً عن اللقاء والحديث والمشاركة الحقيقية.

ومع كثرة الاستخدام قد يتحول التعامل مع الهاتف إلى سلوك شبه تلقائي؛ فنفتحه دون حاجة محددة، ونتفقد الرسائل والمنشورات باستمرار، ونشعر بأن شيئاً فاتنا إذا ابتعدنا عنه فترة. ويسهم الفضول والرغبة في متابعة كل جديد في زيادة هذا التعلق، حتى يجد بعض الناس صعوبة في ترك هواتفهم والانشغال بما حولهم.

ومع ما تفرضه الحياة اليومية من ضغوط ومتطلبات، لا يستهلك هذا الانشغال الوقت وحده، بل يضيف عبئاً آخر على الذهن؛ فالتنقل المستمر بين الرسائل والأخبار والمقاطع، ومتابعة ما يستجد طوال اليوم، يبقيان الانتباه موزعاً بين موضوعات متعددة، وقد ينعكس ذلك على القدرة على التركيز وإنجاز الأعمال بهدوء.

ولعلنا نحتاج إلى وقفة صادقة مع أنفسنا نسأل فيها: كم من الوقت والاهتمام نمنحه للعالم خلف الشاشة، وكم نمنح أنفسنا من الراحة، والآخرين من الاهتمام والعطاء؟

العودة إلى الواقع قد تبدأ بتخفيف استخدام الهاتف، وإعطاء الأهل وكل فرد قدراً أكبر من الحضور والاهتمام، وأن نعيد الهاتف مكانه الطبيعي في حياتنا؛ فنستفيد منه دون أن يبعدنا عن عالمنا الحقيقي.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓