ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم د. دانة العنزي

من هرمز إلى باب المندب... أمن الخليج أمام اختبار جديد

لم يعد أمن الخليج اليوم مرتبطاً بحدود الدولة البرية والبحرية فقط، بل أصبح جزءاً من معادلة أمنية أوسع تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر. فهذه الممرات ليست مجرد خطوط على الخريطة وإنما شرايين حيوية للطاقة والتجارة الدولية، وأي اضطراب فيها لا تتوقف تداعياته عند حدود المنطقة بل تمتد إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي.

وتأتي التطورات المتسارعة في المنطقة لتؤكد حساسية هذه المعادلة، فالتوتر المحيط بمضيق هرمز بالتزامن مع عودة التصعيد في اليمن والبحر الأحمر، يضع دول الخليج أمام تحديات أمنية متداخلة. وما يحدث في هرمز لا يمكن فصله عما يحدث في باب المندب، لأن استقرار الممرين يمثل عنصراً أساسياً في أمن الطاقة والملاحة الدولية، وبالتالي في الأمن الاقتصادي والإستراتيجي لدول مجلس التعاون.

ويبرز في هذا السياق، التصعيد الحوثي الأخير تجاه المملكة العربية السعودية والذي شمل هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة ومحاولات استهداف مدن ومنشآت ومرافق حيوية، في تطور يوضح أن التهديدات القادمة من الساحة اليمنية لم تعد محصورة داخل حدود اليمن.

وفي 19 سبتمبر، أعلنت قوات التحالف اعتراض صاروخ كان متجهاً نحو الرياض وإحباط هجمات أخرى استهدفت مواقع من بينها ينبع والطائف وغيرها، فيما أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجمات على مواقع في المملكة، وهذا التصعيد لا يتعلق بأمن السعودية وحدها وإنما يمس الأمن الخليجي الجماعي خصوصاً عندما تقترب التهديدات من منشآت الطاقة والممرات البحرية التي تمثل أهمية إستراتيجية للاقتصاد العالمي.

من هنا، يأتي الموقف الكويتي واضحاً وثابتاً في التضامن مع المملكة العربية السعودية الشقيقة. فقد أكدت دولة الكويت في بيانات رسمية إدانتها للاعتداءات الحوثية ووقوفها إلى جانب المملكة ودعمها للإجراءات التي تتخذها لصون سيادتها وأمنها واستقرارها، مؤكدة أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن دولة الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي، وهذا الموقف يعكس حقيقة إستراتيجية راسخة مفادها بأن أمن دول المجلس مترابط وأن أي تهديد تتعرض له إحدى دوله ينعكس على المنظومة الخليجية بأكملها.

وفي قلب هذه المعادلة، تبرز الكويت بنهجها السياسي المتزن الذي يجمع بين التمسك بالأمن والسيادة والتضامن الخليجي وبين الدعوة إلى الحوار وخفض التصعيد واحترام القانون الدولي، فالدبلوماسية الكويتية حرصت دائماً على حماية المصالح الوطنية والخليجية مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة والحفاظ على علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي، وهي سياسة تزداد أهميتها في ظل حالة الاستقطاب التي تشهدها المنطقة.

ومن هرمز إلى باب المندب، يصبح تعزيز التنسيق بين دول مجلس التعاون ضرورة إستراتيجية، فالتحديات الراهنة تتطلب رفع مستوى التعاون في حماية المنشآت الحيوية وتعزيز أمن الحدود والمياه الإقليمية وتطوير قدرات الإنذار المبكر والدفاع وحماية سلاسل الإمداد والطاقة، إلى جانب التنسيق السياسي والدبلوماسي تجاه الأزمات الإقليمية.

لكن تعزيز القدرة الخليجية على حماية الأمن لا يعني الدفع نحو المزيد من المواجهات، فدول الخليج هي الأكثر مصلحة في استقرار المنطقة بعد أن بنت خلال العقود الماضية اقتصادات ومشروعات تنموية ضخمة وأصبحت مراكز عالمية للطاقة والاستثمار والنقل والتجارة، ولذلك فإن الجمع بين الجاهزية الأمنية والدبلوماسية الفاعلة يمثل خياراً عقلانياً لحماية هذه المكتسبات ومنع انتقال الصراعات الإقليمية إلى داخل دول المجلس.

وهنا تحديداً تظهر أهمية باب المندب، فهو ليس بعيداً عن أمن الخليج كما قد يبدو جغرافياً، بل يمثل امتداداً مباشراً له. فالتطورات العسكرية الأخيرة في اليمن واقتراب المواجهات من الساحل الغربي والممرات البحرية ترفع مستوى المخاطر على حركة التجارة والطاقة، وقد أدت المواجهات الأخيرة أيضاً إلى موجات نزوح كبيرة داخل اليمن وهو ما يكشف أن استمرار التصعيد يحمل أبعاداً أمنية واقتصادية وإنسانية في آن واحد.

اليوم يقف الخليج أمام اختبار جديد لكنه يمتلك في الوقت نفسه عناصر قوة مهمة أهمها دول مستقرة، واقتصادات مؤثرة، وعلاقات دولية واسعة، ومنظومة خليجية قادرة على تطوير تعاونها الأمني والسياسي بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة.

ومن هرمز إلى باب المندب، تبقى الرسالة الخليجية واضحة، أمن دول مجلس التعاون واحد وسيادة دوله واستقرارها خطوط أساسية لا يمكن تجاوزها، وفي الوقت نفسه تبقى الدبلوماسية والحوار واحترام القانون الدولي أدوات ضرورية لمنع اتساع دائرة الصراع. وفي قلب هذه المعادلة تواصل الكويت نهجها المتزن ثابتة في تضامنها مع أشقائها حريصة على أمن الخليج ومتمسكة بسياسة تقوم على حماية المصالح وصون السيادة والعمل من أجل السلام والاستقرار.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓