ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم د. عادل فهد المشعل

النضج العقلي

يعاني بعض الناس من الاضطراب، ليس لأنهم غير أسوياء بل لأننا نعيش في عالم غير عادل بسبب سلوك بعض من حولنا التي تتسم بالسخف والدناءة، مما يجعل البعض يرد عليهم ليوقفهم عند حدهم، بينما هناك من يفضل أن يبتعد بعد أن اكتشف حقيقتهم.

وكم هو مؤلم أن تأتي الطعنات من قبل الأشخاص الذين قربتهم منك، وقمت بخدمتهم في مجالات عدة، لكنهم سرعان ما تنكروا بل باتوا يسعون للنيل منك بشكل صامت ثم بشكل علني.

ومن يمتلك الخبرة العقلية والنفسية والتجارب الحياتية فإنه يمتلك صفة مهمة تجعل منه قوياً في مواجهة الناس وهي صفة النضج العقلي.

ومن أجمل ما يصل إليه المرء من نضج، أن تضيق دائرة فضوله بالناس وتتسع دائرة وعيه بالحياة، فلا يكترث بمن تغير أو رحل وماذا قالوا عنه وكيف يعيشون، ولا يفتش خلف الأبواب التي لم تفتح لأنه أدرك أن التفاتة زائدة في حياة الآخرين قد تكون غفلة وقد تدفعك إلى عالم لا تريد أن تكون فيه.

نعم على الإنسان أن ينشغل بإصلاح ذاته وليس بإصلاح الآخرين، اللهم إلا بعض أفراد أسرته المقربين خصوصاً الأبناء عبر توجيه النصائح والاقتراحات من أجل الأفضل لهم.

نعم الحياة قاسية وليست عادلة وهي مليئة بأصناف مختلفة من الناس، وهم على الأغلب ثلاثة أنواع من البشر، أولهم العابرون الذين يدخلون حياتك لفترة وجيزة، ويأخذون ما يحتاجونه فقط، وما أن تشتد الصعاب أو تهب الرياح حتى يرحلوا.

ثم النوع الثاني وهم الأشخاص المتماسكون الذين رغم قوتهم الظاهرية عليك اختبارهم قبل أن تعتمد عليهم كلياً، وقد يبقون معك لبضعة مواسم لكنهم سينفصلون عنك عندما تصبح الحياة قاسية.

وثالثهم وأخيراً الأشخاص الأقوياء الذين هم في غاية الأهمية لأنهم لا يسعون للظهور فكل ما يتمنونه هو دعمك ومساعدتك على عيش حياة قوية وصحية، وهم حتى في أوقات الشدة يساندونك فهم يحبونك كما أنت.

نعم تلك حقيقة الحياة والنفس البشرية المتعددة الأنماط والتعامل معهم سيجعلك في حالات عدة من الفرح والحزن... ولكن هل تريد أن تعرف ما هو الأمر الأكثر حزناً، هو أننا نعيش في عالم مليء بالمنافقين، حيث يتمنى الناس لك الفشل من دون أن تكون قد آذيتهم، لكنهم يبتسمون أمامك وكأنهم يحبونك، عندها ستقول بينك وبين نفسك، لو كان علي أن أعيش حياتي من جديد فلن أغير شيئاً من طيبتي وتلقائيتي، باستثناء أنني كنت سأكون أكثر انتباها عند التعامل مع مثل هؤلاء المتملقين.

ليس عيباً أن تكون طيب القلب بل يجب أن تكون لطيفاً مع الناس جميعاً، إلا أنه وفي بعض الأحيان يتسبب لي لطفي المفرط ببعض المشاكل أيضاً، لأن اللطف الزائد عبارة عن سذاجة مفرطة، وقد تعلمت أنه ليس من واجبي إصلاح ما لم أفسده، لكنني اعتدت أن أخشى فقدان الناس لكنني الآن أخشى فقدان وقتي إذا عشت وفقاً لآراء الآخرين، ولن أصبح أبداً الشخص الذي أردت أن أكونه والناس التي تتحدث لن تتوقف عن الحديث لا عنك ولا عن غيرك.

نعم الحياة قصيرة جداً، والآن وأنا في عقدي السابع من عمري أحرص على أن أستمتع بكل يوم بل بكل ساعة ولحظة، ولا أبكي إلا عند الضرورة وحيداً بعيداً عن عيون المتربصين... ورغم هذا لا أسمح أبدا لأي شخص أن يحبطني البتة.

إن القيمة الوحيدة التي لا أريد أن أفقدها أبداً، هي كرامتي أو تعكير مزاجي من قبل أناس تافهين بأمور تافهة، فكلما تقدمت في العمر تقل الرغبة والتعلق بالأشياء. كما أنني أدركت أنه كلما كبرت سيقل عدد الأشخاص من حولي، والعقل الناضج لا يتحمل الكذب أو المؤامرات من قبل الآخرين.

قد أكون خسرت مالاً أو شيئاً ما ، ولا يهمني ذلك طالما أنني لا أخسر نفسي، بل أنا بخير لأنني اكتشفت تلك الأمور التي كنت لا أكترث لها في السنوات الماضية.

نعم إن الناس أنواع مختلفة وكذلك هي سلوكياتهم وقناعاتهم وطباعهم، ولكن هناك من يعمل ويصدر ضجيجاً وهناك من يعمل بصمت. وهناك من يغادر بعد أن يحدث جلبة وهناك من يرحل بصمت وبهدوء وبشكل مفاجئ.

إن الرجل الذي يتحرك في صمت هو رجل لا ينبغي أن تعبث معه، فلقد رأى الخيانات والابتسامات المزيفة والوعود الفارغة، لهذا السبب دائرة معارفه صغيرة، لأن ليس الجميع يستحق الوصول إليه، كما أنه لا يركض وراء لفت الانتباه، ولا يهدر الكلمات ليثبت نفسه بينما يتفاخر الآخرون حول خططهم، وقد لا يفعلون، بينما هو يقوم بما ينبغي وهو في حالة صمت رهيب، وقوته ليست صاخبة بل تحس أنه يلاحظ ويفكر ويحسب خطواته ويعرف تماماً من الصادق ومن يتصنع، وعندما يتجاوز أحدهم معه الحدود لا يجادل بل يزيله ببساطة من عالمه.

إن الولاء نادر وهو يقدره إكثر من إي شيء آخر، والخيانة ليست شيئاً يغفره بل هي شيء لا ينساه أبدا كما أن البعض يخطئ ويظن أن صمته ضعف، معتقدين أنه لن يرد، لكن من يرتكب هذا الخطأ لا يحصل على فرصة ثانية لتصحيحه، لأن رجلاً مثله لا يدعو للخوف ما لم تعطه سبباً ليتعامل معك بشكل طبيعي، فهو ليس بحاجة إلى إطلاق كلمة واحدة رغم أنه قادر على ردعك وإيذائك، وإذا جاء ذلك اليوم ستفهم لماذا!

هناك حكمة سويسرية قديمة قالها لي صديق مغربي تعرفت عليه في زيارتي الأخيرة للقاهرة مفادها بأنه إذا كان السائق أعمى فلا يهم كم هي مريحة مقاعد الدرجة الأولى، أي إن الانقياد خلف شخص بلا بصيرة يوصلك للحافة مهما كانت الوعود معسولة. وانظر إلى من يمسك الدفة قبل أن تفرح بجمال الرحلة.

حاول أن تبحث عن السعادة في داخلك وليس في الخارج.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓