مال سهل... لا طعم له
عندما نتحدث عن الزواج، أسمع أحياناً بعض النساء يشترطن أن يكون الرجل ثرياً، فأجد نفسي أتساءل: وماذا ستقدمين له في المقابل؟
ليس المقصود من هذا السؤال، السخرية أو التقليل من قيمة أحد، وإنما محاولة النظر إلى العلاقة بصورة أكثر واقعية وعدلاً. فما الذي يدفع رجلاً ناجحاً وثرياً لاختيار شريكة حياة غير ثرية؟ وماذا ينقصه كي تحققه تلك المرأة التي تبحث عن الثري؟
أعتقد أن السنوات الأخيرة شهدت انتشار الكثير من الطروحات التي تتحدث عن الطاقة الإيجابية وجذب الحظ والثروة والاستحقاق، وقد تأثر بعض الناس بها إلى درجة الاعتقاد بأن مجرد الحلم بالثراء يقرّبهم منه.
ومن بين هذه التصورات، ظهر لدى البعض حلم الارتباط بشخص ثري باعتباره أقصر الطرق إلى الرفاهية. لكن الحياة ليست فيلماً من أفلام والت ديزني، وليس كل الأثرياء، أمراء يبحثون عن فتاة بسيطة تنتظر الإنقاذ.
في المقابل، لا أرى أي خطأ في أن تكون للإنسان أهداف مادية. فمن حق كل شخص أن يعمل ويجتهد ويطور نفسه، وأن يسعى إلى زيادة دخله وتحسين مستوى معيشته وتأمين مستقبل أسرته. كما أن الرغبة في الحصول على منزل أفضل أو فرصة سفر أو مستوى أكبر من الراحة والرفاهية هي طموحات إنسانية طبيعية ومشروعة.
والحقيقة أن المال يحل كثيراً من مشكلات الحياة. فنحن نعيش في الدنيا ولسنا في الجنة، وللواقع متطلباته ومسؤولياته. لكن المال، على أهميته، ليس ضمانة للسعادة الدائمة ولا للحياة المستقرة. فقد تربح إنسانة مليوناً فتتغير نظرة الناس إليها فجأة، ويظهر المهنئون من كل مكان، لكن ذلك لا يمنحها حصانة من المرض أو الحوادث أو تقلبات القدر.
وقد رأينا قصصاً عديدة تذكرنا بأن المال وسيلة مهمة، لكنه ليس القيمة العليا التي ينبغي أن نبني عليها حياتنا بأكملها.
ولهذا أؤمن بأن المرونة هي من أجمل الصفات التي يمكن أن يمتلكها الإنسان. فالمرن يتأقلم مع تغير الأدوار والظروف، ويستطيع أن ينتقل من التفكير الفردي إلى المسؤولية الأسرية من دون شعور دائم بالتذمر أو الحرمان.
كما أن الرضا يساعد الإنسان على مواجهة تقلبات الحياة بهدوء، بينما من يبني علاقاته كلها على المنفعة الشخصية قد يتخلى عن الآخرين عند أول ظرف أو خسارة.
من هنا تظهر أهمية الأهداف المعنوية. فترك أثر طيب، أو بناء علاقة صحية، أو الحفاظ على المبادئ، أو خدمة الآخرين، كلها أهداف تمنح الإنسان شعوراً أعمق بالمعنى. وهي لا تتعارض مع النجاح المادي، بل تكمله وتجعله أكثر قيمة.
ولعل المشكلة ليست في اختيار هدف مادي أو هدف معنوي، بل في الموازنة بينهما. فمن الجميل أن يقول الإنسان: أريد دخلاً جيداً، ولكن ليس على حساب صحتي. وأريد منصباً أعلى، لكن ليس على حساب مبادئي. وأريد أن أعيش حياة كريمة، وفي الوقت نفسه أترك أثراً طيباً في حياة مَنْ حولي.
إن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يمتلكه الآخرون، ولا بما قد يحصل عليه منهم، بل بما يبنيه في نفسه أولاً. لذلك فإن الاستحقاق الحقيقي لا يبدأ بالمطالبة، وإنما بالعمل على تطوير الذات وتحقيق القيمة الشخصية.
أحب نفسك، واعتنِ بها، وامنحها ما تستحق من اهتمام وتطوير واحترام، ولا تجعل سعادتك معلقة بقدوم شخص يحقق لك ما لم تسعَ لتحقيقه بنفسك.
فالهدف الأجمل في النهاية ليس أن نجد شخصاً ينفق علينا أو يحقق أحلامنا بالنيابة عنا، بل أن نكون أشخاصاً قادرين على بناء حياة جميلة مع مَنْ نختارهم، قائمة على الاحترام والتقدير والتوازن بين المادة والمعنى.