ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم د. خالد أحمد الصالح

وزارة مكافحة الحرارة

من أكبر مشاكل المواطن الكويتي، بعد أن يتأكد أن معاشه وصل وأن البنك لم يخصم منه شيئاً جديداً، مشكلتان لا تحتاجان إلى تعريف: الشوارع والحر.

يخرج من بيته وهو لا يعرف: هل سيصل إلى عمله سالماً، أم سيعود ومعه قطعة غيار جديدة للسيارة؟ والحقيقة أن الحفر في الكويت تتمتع بميزة لا يتمتع بها كثير من الموظفين: الاستمرارية.

كلما ردمنا حفرة ظهرت أخرى، وكأن الحفر تعمل بنظام التناوب؛ واحدة تتقاعد فتخرج الثانية، والثانية تأخذ إجازة فتظهر الثالثة!، وأحياناً أشعر بأن بعض شركات رصف الشوارع تتعامل معها كما يتعامل المصنع مع الأجهزة الكهربائية: لا بد أن يعيش الجهاز فترة محدودة، ثم يتعطل، فنشتري قطعة غيار جديدة!

قد يكون السبب نوعية الأسفلت أو سماكته أو طريقة التنفيذ أو الصيانة؛ وأنا لست خبيراً في علم الأسفلت، لكنني أفهم شيئاً بسيطاً: إذا كان الشارع لا يصمد إلا سنوات قليلة، فهناك شيء يحتاج إلى مراجعة؛ لكن الشوارع، رغم كل مشاكلها، ليست المشكلة الأكبر.

نحن لا نتحدث عن صيف عابر، بل عن موسم طويل يجعل الخروج إلى الشارع في بعض الأيام أشبه برحلة قصيرة إلى الفرن، ولهذا أقترح، بكل جدية لا تخلو من الطرافة، إنشاء وزارة لمكافحة الحرارة.

قد يضحك البعض؛ لكننا بحاجة إلى جهاز حكومي ذي مسؤولية محدودة مهمته سؤال واحد: كيف نجعل الحياة في الكويت أقل حرارة؟

لا نريد جهة تصدر بياناً في أغسطس تقول فيه: «الجو حار، ويرجى عدم التعرّض للشمس». هذا يعرفه المواطن قبل أن يقرأ البيان! نريد جهة تفكر في المدينة نفسها:

في مقال قديم طرحت فكرة تطوير منطقة الخدمات في كل ضاحية بطريقة قريبة من فكرة «الأفنيوز»: منطقة مكيفة أو مظللة، فيها أماكن للأطفال، ومساحات خضراء، وممرات للمشي، ومتنفس حقيقي للعائلات.

اليوم تقول الأم لأطفالها: «يلا نطلع الحديقة»، فتخرج الأسرة وبعد دقائق قليلة تعود إلى البيت وكأنها قامت برحلة إلى الربع الخالي!، نحن لا نحتاج إلى حدائق جميلة في الصور فقط، بل إلى أماكن يستطيع الناس استخدامها فعلاً.

وقد يأتي يوم يسأل فيه المواطن:

الشجرة عندنا موظف حكومي ممتاز: تعمل طوال اليوم، لا تطلب بدل سكن، ولا ترفع كتاباً تقول فيه إن المكتب حار!

ولماذا لا ندرس إنشاء ممرات مائية في بعض المناطق الجديدة، ونقل بعض الأنشطة الصناعية من قلب العاصمة وتحويل مواقعها تدريجياً إلى مساحات خضراء ومتنفسات عامة؟

عندما لا يجد الإنسان مكاناً مناسباً للمشي أو ممارسة الرياضة، تصبح قلة الحركة جزءاً من نمط حياته عندما يحدث ذلك تصبح كلفة الأمراض والعلاج عبئاً على الدولة.

فمع ارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ، ستصبح القدرة على التعامل مع الحرارة قضية أكثر أهمية في السنوات المقبلة.

والدول الذكية لا تنتظر المشكلة حتى تتحول إلى أزمة، ثم تشكّل لجنة لدراسة أسبابها.

لذلك، نحن نحتاج فعلاً إلى «وزارة مكافحة الحرارة» بالاسم؛ حتى نعلن للعالم أننا أمام تحدٍ جغرافي نحن أعلم الناس به وأخبرهم به.

فالكويت الجديدة التي نحلم بها لا يكفي أن تكون فيها طرق جديدة ومبانٍ جديدة.

نريد كويتاً يستطيع فيها الإنسان أن يمشي، ويجلس، ويلعب، ويتنفس، ويعيش... حتى عندما يكون الصيف في أقسى حالاته.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓