ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم د. عبدالرحمن الجيران

العودة إلى مدرسة الدولة

عندما تشعر الجماعة الواعية بأهمية الشأن العام في موقف من المواقف وصواب قرارها الموحد إزاء مسألة من المسائل المهمّة... وهذا الشعور وذاك القرار ينبعان فجأة وبصورة عفوية... كأنهما خارجان من قلب واحد وجسد واحد. وهذا ما يُسمى بـ «الرأي العام المستنير»، فهو كائن مستقل يُخلق أول ما يُخلق ثم يحبو وينمو إلى أن يصبح قوة ناضجة محرِّكة وموجهه تؤثر في المجتمع ويحسب لها الناس ألف حساب مثل - القيم التي كانت سائدة قبل النفط - في الكويت وقوة إلزامها للجميع بحيث يكون لها سلطان كسلطان القانون المكتوب! وهذا ما نسعى إليه جميعاً...

وهنا يأتي السؤال، كيف نوجد هذا الرأي العام؟ والجواب أنه يوجد إذا وُجدت التربة الصالحة لظهوره... وهذه التربة الصالحة هي (الأمة الموحدة) في جنسها ودينها وتقاليدها وآمالها وأهدافها... بل حتى في زيّها ولباسها الخاص بها...

والجواب أنه يُربى كما يُربى كل صغير بالتعليم العام الشامل الذي يكوّن العقلية الواحدة الشاملة في نسيجها العضوي بهذا النوع من التعليم يشبُّ الرأي العام على تفكير واحد لا يهدف إلاّ إلى - الصالح العام - بحيث يمكنه من أن يبثَّ في مسائله ونوازله برأي واحد سريع وقاطع وثابت... لا تزعزعه الأعاصير ولا عاديات الزمان.

وأخيراً، هل يوجد عندنا في الكويت رأي عام؟ في رأيي المتواضع بلادنا من أصلح البلاد تُربة لوجود رأي عام ناضج قوي فيها... ولكن الذي ينقصنا هو الاهتمام بتربية هذا المولود. التربية التي تؤهله لأن يصبح كائناً مستقلاً، واقفاً على قدميه يفكر بعقل واحد وبصورة جماعية ويؤثر الصالح العام ويُشكِّل بالنهاية ظاهرة فعلية وليست قولية!

التربة صالحة لكن التربية مهملة... فكل شيء عندنا في الكويت يجعل من هذا المولود مخلوقاً مشوهاً مضطرباً مهلهل الفكر مشتت الرأي، وانعكس ذلك على اختلافنا حول القضايا المصيرية من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال... لأن كل شيء في بلادنا له نسخ متعددة وخاصة بعدما فقدنا مجلس المعارف الأول وفقدنا رجاله - رجال دولة.

نعم لدينا تعليم أجنبي وحكومي وديني (ودرعمي) وجامعي (بلدي) وخارجي ولكلٍ له مخرجات ومستهدفات... ولدينا أحياء سكنية على الطراز الأوروبي وأحياء شعبية... وأحياء صافية وأحياء مختلطة... ولدينا ملابس بلدية تشوف الناس اللي (مغتّر)، ولدينا معممون ومُقبّعون وملبِّدون... ولابسو الزي الإفرنجي والزي القديم (سديري وبشت وعقال شطفة) والزي المختلط أو طاقية وبجامة وماشي بالمولات يتسوق... إلخ. بل حتى الأكل عندنا مخلّط عيوش ومفاطيح وعندنا وجبات سريعة ولغاويص!

كل هذا الخلط في أوضاع التعليم والتربية والسياسة والإطار الذي يعيش بداخله الناس في بلادنا... جعل لهم بالضرورة عقليات مختلفة كل عقلية تفكر تفكيراً خاصاً بها... وترى الدنيا من زاوية منفردة بها وكان من أثر ذلك أن حُبِسَ كل فرد داخل حلقة منفصلة عن واقعه الذي نشأ فيه يحسب (الدنيا دنياه فقط) ورأيه هو وحده الذي على حق...

وحالياً انحشر عقله (بجهاز الآيفون) يرى فيه عالماً حقيقياً وليس افتراضياً! فهو ساكن ولكنه لا يعرف جاره الملاصق لمسكنه! فضلاً عن أن يشعر بشعور مواطن آخر يسكن بعيداً عنه! بل حتى تلفزيون الكويت لم يستطع إرضاء كل هذه الأذواق المتنافرة! لهذا السبب! وأما الإذاعة فهي في وادٍ والناس في وادٍ آخر...

وبهكذا نهج - تفككت عقلية الأمة الواحدة - إلى عقليات متعددة مختلفة متضاربة وهذا انعكس على تفكك الشخصية... وإذا تفككت شخصية أمة فمعنى ذلك انحلالها وموتها - الإكلينيكي - لذلك كان من ألزم الأمور علينا في - الميدان التربوي - المبادرة إلى الاهتمام بـ «لمَّ هذا الشعث»، أولاً من خلال التركيز على القواسم المشتركة لإنجاز وتربية (الرأي العام) تربية قوامها توحيد وتعزيز ثوابت الكويت الجديدة ونشرها في ثقافة المجتمع والذوق العام وتوحيد محيط الطالب ونظرته إلى الأشياء حوله...

فإذا عنينا بهذه التربية الموحدة العناية الصادقة - وخاصة في مثل هذه الظروف التي تمر بها البلاد - ظفرنا بعد قليل بأمة قوية الشخصية وبرأي عام موحد الثقافة من حيث (الصادر والوارد) متحد في العقلية يستطيع أن يزن الأمور وأن يتعرف على النافع والضار فيُميّز بين الصواب والخطأ بحكمة وتروٍّ وليست عنتريات ولا كما يقال (هبّة عرب)، وبهذا نكون فعلاً رجعنا إلى مدرسة الكويت الكبرى التي تجمع الكل تحت مظلتها.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓