1574 ديناراً... متوسط الأجر الشهري للكويتيين
يبدو الرقم مطمئناً للوهلة الأولى: 1574 ديناراً، متوسط الأجر الشهري للكويتيين في القطاعين العام والخاص بنهاية الربع الثالث من 2025. لكنه يصبح رقماً مختلفاً تماماً حين نضعه أمام فاتورة الحياة اليومية.
فالراتب لا يعيش وحيداً في الحساب البنكي؛ وراءه منزل، وأبناء، وسيارة، وطعام، وفواتير، وتعليم، والتزامات اجتماعية، وقبل كل ذلك رغبة إنسانية بسيطة: أن يعيش المواطن لا أن يقضي الشهر وهو يطارد آخر دينار.
قد يكون متوسط دخل الكويتي جيداً مقارنة بدول كثيرة، لكن المقارنة الحقيقية ليست بين راتبنا ورواتب الآخرين، وإنما بين ما يدخل جيب المواطن وما يخرج منه. فالمئة دينار اليوم ليست بالضرورة المئة دينار التي عرفها جيل الأمس، والأسرة التي لديها ثلاثة أبناء لا تعيش حياة الفرد الأعزب.
والرفاهية ليست أن يمتلك الإنسان سيارة فاخرة أو يسافر كل عام؛ الرفاهية الحقيقية أن يستطيع مواجهة ظرف طارئ دون أن يستدين، وأن يدخر، وأن يخطط لشراء منزل، وأن يزوج أبناءه، وأن ينظر إلى نهاية الشهر دون أن يشعر أن راتبه مرّ من حسابه مرور العابرين.
الأخطر أن انخفاض القوة الشرائية لا يظهر في الأرقام فقط، بل يتسلل إلى النفس والمجتمع: شاب يؤجل الزواج، وأسرة تعيد حساباتها قبل الإنجاب، وأب يؤجل مشروعاً، وموظف يعمل سنوات وهو يشعر أن دخله يتحرك ببطء بينما تتحرك كلفة الحياة أسرع منه.
وهنا لا يصح أن نضع كل المسؤولية على الحكومة، كما لا يصح أن نلقيها على المواطن.
فالحكومة أمام معادلة صعبة. ميزانية الكويت للسنة المالية 2026/ 2027 تقدر المصروفات فيها بنحو 26.1 مليار دينار، بعجز متوقع يبلغ 9.8 مليار دينار، فيما تشكل الرواتب والدعوم نحو 76 في المئة من إجمالي المصروفات.
لذلك فإن رفع الرواتب بصورة عشوائية قد يريح المواطن اليوم، لكنه قد يضيف ضغطاً على المالية العامة غداً. والأسوأ أن زيادة النقد إذا لم تواكبها زيادة في الإنتاج قد تتحول جزئياً إلى زيادة جديدة في الأسعار، فنمنح المواطن ديناراً إضافياً ثم يأخذه السوق من جيبه بطريقة أخرى.
يمكن أن يكون الحل في مراجعة دورية للرواتب مرتبطة بمؤشرات كلفة المعيشة، ودعم أكبر للأسر ذات الأعباء الأعلى، وتخفيف كلفة السكن والتعليم والخدمات الأساسية، وتشجيع المنافسة التي تحد من ارتفاع الأسعار، وفي الوقت نفسه خلق فرص حقيقية لزيادة دخل المواطن من خلال الإنتاج والقطاع الخاص والمشروعات الجديدة.