نجم السعودي!
يحتاج الواقع المروري في دولة الكويت اليوم إلى إعادة النظر في طريقة التعامل مع الحوادث المرورية، خصوصاً الحوادث البسيطة والتي لا تتضمن إصابات بالغة أو شبهة جنائية، إذ إن بقاء المركبات المتضررة في الطريق وانتظار الدوريات والمعاينين قد يحول حادثاً محدوداً إلى ازدحام يمتد لمسافات طويلة، والشوارع (مو ناقصة) أصلاً ازدحاماً بل ربما قد يؤدي إلى حوادث ثانوية.
وهذه المشكلة ليست جديدة وهناك دراسة حكومية منشورة عام 2010 حول إنشاء جهة متخصصة في التقييم الفوري لخسائر الحوادث المرورية ومعالجة آثارها. واقترحت تلك الدراسة استخدام التقنيات الحديثة، والتصوير والمعاينة، وتوفير مركبات للقطر وربطها بغرفة عمليات المرور وشركات التأمين.
ومن هنا تبدو تجربة شركة «نجم لخدمات التأمين» في المملكة العربية السعودية جديرة بالاستفادة والاهتمام ، فقد تطورت خدماتها لتشمل الإبلاغ الرقمي عن الحوادث، والمعاينة الرقمية، وتقديم المطالبات التأمينية ومتابعتها إلكترونياً، ضمن توجه يهدف إلى تسريع الإجراءات وتقليل الازدحام الناتج عن تلك الحوادث.
ولا يعني ذلك أن تنشئ الكويت نسخة مطابقة لـ«نجم»، يشبه نجم السعودي، ويكون نموذجاً كويتياً لإدارة التعامل مع الحوادث ويقوم على توزيع الأدوار بوضوح بحيث تتولى جهة متخصصة الحوادث المادية البسيطة، بينما يقتصر تدخل المرور على الحوادث التي تستوجب التحقيق أو وجود إصابات أو وفاة أو شبهة جنائية أو خلاف جوهري بين الأطراف.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال منصة وطنية موحدة للحوادث، تتيح للسائق الإبلاغ إلكترونياً وتحديد موقعه تلقائياً وتصوير المركبات والأضرار وفق تعليمات محددة، ثم إرسال البيانات إلى الجهة المختصة وإشعار شركة التأمين، مع ربط المنصة بشركات سحب معتمدة لضمان إزالة المركبات من الطريق في أسرع وقت.
كما يمكن الاستفادة من البيانات الرقمية في مكافحة الاحتيال التأميني؛ إذ أعلنت هيئة التأمين السعودية أن «نجم» طورت مؤشرات لرصد الاشتباه في الاحتيال اعتماداً على عوامل مرتبطة بوقت الحادث والسائق والأضرار وتوثيق الواقعة والأدلة الموجودة في الموقع.
ويمكن للكويت تطبيق الفكرة بصورة تدريجية من خلال مشروع تجريبي لمدة ستة أشهر على الطرق الأكثر ازدحاماً مثلاً وقياس متوسط زمن الإبلاغ، ووصول المعاين المتخصص وإزالة المركبات، وإعادة فتح الطريق بأسرع وقت ممكن وتحديد نسبة الحوادث التي تمت معالجتها إلكترونياً من دون تدخل الدورية، المرورية وبذلك يتم توفير جهد قوة الشرطة في قطاعات حيوية أخرى إلى جانب سرعة تسوية المطالبات التأمينية بدلاً عن الروتين الممل والبيروقراطية المزعجة.
إذاً فإن الاستفادة من تجربة «نجم» لا تعني تقليد التجربة السعودية، بل الاستفادة من فلسفتها الأساسية والمتعلقة بتحويل إدارة الحوادث من إجراء بيروقراطي يستنزف وقت رجال المرور ويعطل الطريق إلى منظومة رقمية متكاملة هدفها الأول سرعة توثيق الحادث، وكل طرف يأخذ حقه وإزالة آثاره وإعادة الطريق إلى الحركة الطبيعية بالسرعة القصوى.
وبالنظر إلى أن الكويت سبق أن درست هذه الفكرة رسمياً، فإن المطلوب اليوم ليس البدء من الصفر، وإنما تحديث الفكرة القديمة تلك ولتخرج للنور بأدوات التكنولوجيا الحالية مع الذكاء الاصطناعي وبناء شراكة فعالة بين المرور والتأمين والقطاع الخاص المختص والمفيد في هذه الحالة وبما يحقق طريقاً أكثر انسيابية، وخدمة أسرع، واستخداماً أكثر كفاءة للموارد الأمنية والمرورية في مكانها الصحيح. والله عزوجل المعين في كل الأحوال.