«ذاكره الحمل».. العلماء يكشفون سبب النسيان لدي الحوامل

د. نور نورالدين الدخول الي غرفه ثم نسيان سبب وجودنا فيها، البحث عن المفاتيح وهي في مكان غير معتاد، او فقدان التركيز اثناء محادثه... مواقف تصفها كثير من النساء خلال الحمل، حتي اصبح لها اسم شائع هو «ذاكره الحمل». ولسنوات، ظل السؤال مطروحا: هل هذه الشكاوي مجرد نتيجه للتعب وقله النوم والضغوط المصاحبه للحمل، ام ان وراءها تغيرا بيولوجيا حقيقيا في الدماغ؟ دراسه حديثه، نشرت في مجله Science Bulletin، تقدم تفسيرا مثيرا للاهتمام، وتشير الي ان الارتفاع الكبير في مستويات هرمون الاستروجين اثناء الحمل قد يغير مؤقتا نشاط دائره عصبيه مرتبطه بالذاكره. ماذا يفعل الاستروجين بالدماغ؟ اظهرت تجارب علي الفئران ان ارتفاع مستويات الاستروجين بصوره مشابهه لما يحدث اثناء الحمل قد يؤثر مؤقتا في بعض وظائف الذاكره، من دون التاثير في المزاج او الدوافع. وحدد الباحثون مسارا عصبيا يربط منطقه في الدماغ (تسمي الوطاء) بالحصين المسؤول عن الذاكره، وهو منطقه اساسيه للتعلم وتكوين الذكريات. ووجدوا ان الاستروجين ينشط خلايا عصبيه في الوطاء عبر مستقبلات الاستروجين الفا، ما يؤثر بدوره في الحصين. وعندما عطل الباحثون هذا المسار او ازالوا مستقبلات الاستروجين من هذه الخلايا، تراجعت اضطرابات الذاكره المرتبطه بالحمل. وتشير النتائج الي ان تغير نشاط هذه الدائره العصبيه قد يكون احد التفسيرات البيولوجيه المؤقته لما يعرف بـ«ذاكره الحمل». ماذا عن النساء الحوامل؟ لم تتوقف الدراسه عند الحيوانات. فقد قيم الباحثون اداء نساء حوامل في مراحل مختلفه من الحمل. ووجدوا ان بعض اضطرابات الذاكره المرتبطه بمهام محدده ظهرت بصوره اكبر في المراحل المتاخره من الحمل، وتزامنت مع ارتفاع مستويات الاستروجين في الدم. وتدعم هذه الملاحظات احتمال ان تكون الدائره العصبيه التي اكتشفها العلماء لدي الفئران مرتبطه ايضا بالتغيرات التي تشعر بها بعض النساء اثناء الحمل. لكن البيانات البشريه تقدم دعما للفرضيه ولا تثبت حتي الان ان الاليه لدي الانسان مطابقه تماما لما ظهر في التجارب الحيوانيه. هل ترتبط بتراجع الدماغ؟ هنا تاتي الرساله الاكثر طمانه في الدراسه: لا، فالتغيرات التي رصدها العلماء كانت مؤقته ومرتبطه بانواع معينه من الذاكره، ولم تكن علامه علي تراجع معرفي عام. كما ان الحمل فتره تحدث خلالها تغيرات هرمونيه ودماغيه هائله، ولا ينبغي تفسير نسيان موعد او كلمه او مكان وضع المفاتيح باعتباره فقدانا للقدرات العقليه. ويشير الباحثون الي ان فهم هذه الاليه قد يساعد مستقبلا علي تفسير بعض التاثيرات المعرفيه المرتبطه بالحمل، وربما حتي دراسه تاثير العلاجات او وسائل منع الحمل الهرمونيه علي الدماغ بصوره ادق. ظاهره مؤقته لا يعني الاكتشاف ان كل امراه حامل ستعاني من النسيان، كما لا يعني ان الاستروجين هو العامل الوحيد المسؤول عن كل حالات النسيان خلال الحمل. فالنوم المتقطع والتعب والتوتر والتغيرات النفسيه وكثره المسؤوليات قد تؤثر ايضا في التركيز والذاكره. لكن الدراسه تقدم دليلا جديدا علي ان الشكاوي التي تصفها كثير من الحوامل قد تكون لها قاعده بيولوجيه فعليه مرتبطه بالتغيرات الهرمونيه التي يمر بها الدماغ. والاهم ان هذه التغيرات تبدو، وفق الباحثين، مؤقته ومحدده وليست مؤشرا علي تدهور صحه الدماغ.