مجله العربي.. من يحفظها؟!

عبرت مجله «العربي» الوطن العربي من خليجه الي محيطه، متخطيه الحدود والثقافات واللهجات، ودخلت بيوت العرب من دون جواز سفر ولا تاشيره، حتي اصبحت المجله المحببه الي اجيال متعاقبه من القراء. وشخصيا، عاصرت «العربي» منذ ستينيات القرن الماضي، حين كان من النادر ان يخلو بيت في الكويت من عدد من اعدادها الشهريه، كان العدد يقرا ثم ينتقل من يد الي اخري، وكثير من الاسر كانت تجمع اعداد السنه وتجلدها، لتاخذ مكانها في مكتبه المنزل الي جوار الكتب والموسوعات. ولمن لا يعلم، فقد صدر العدد الاول من مجله «العربي» في الكويت في ديسمبر عام 1958، وكان اول رئيس لتحريرها العالم والمفكر المصري الدكتور احمد زكي. ومنذ بدايتها لم تطرح بوصفها مجله كويتيه تخاطب القارئ الكويتي وحده، بل بوصفها مشروعا ثقافيا عربيا تموله الكويت وتفتحه امام الكتاب والمفكرين والقراء من مختلف ارجاء الوطن العربي. ولم تكن «العربي» مجرد مجله ادبيه تنشر المقالات والقصائد، بل كانت نافذه يتعرف من خلالها العربي علي وطنه الكبير. فاستطلاعاتها المصوره كانت تاخذ القارئ الي مدن وقري واثار، ربما لم يسمع بها من قبل، وتعرفه علي حياه الناس وعاداتهم وعمارتهم وفنونهم. وفي زمن لم يكن فيه انترنت ولا فضائيات ولا هواتف ذكيه، كانت صورها الملونه رحله شهريه ينتظرها القارئ بشغف. وقد اعادتني الي الحديث عن المجله حكايه بدات من مكان اخر تماما، اذ تقوم المعماريه دلال الحشاش حاليا بجمع وتحرير ماده كتاب توثيقي عن جامع العثمان في النقره، اعتمادا علي ارشيف الاسره، الذي يضم قرابه مليون ونصف المليون صفحه ووثيقه ومخطط، الي جانب بحث تاريخي توثيقي واسع، يشمل شهادات من عاصروا تاريخ الجامع، والرجوع الي ارشيف وزاره الاعلام والمجلس الوطني للثقافه والفنون والاداب. وخلال بحثها عثرت علي عددين قديمين من مجله «العربي» تضمنا استطلاعين مصورين عن جامع العثمان. الاول صدر في سبتمبر عام 1964، واحتوي علي صور ومعلومات مهمه عن الجامع ومنارته وقبته وابوابه وزخارفه وعمارته الداخليه. وقد تكرم رئيس تحرير المجله الاستاذ ابراهيم المليفي باهدائي نسخه اصليه من ذلك العدد. اما العدد الثاني، وهو العدد 225 الصادر في اغسطس عام 1977، فكانت المفاجاه اجمل؛ اذ تصدرت صوره جامع العثمان غلاف المجله، واحتوي العدد علي ماده مصوره عن الجامع وتفاصيله المعماريه. وبعد بحث استطعت، والحمد لله، الحصول علي نسخه اصليه منه عبر موقع «ايباي»، وانا اقلب صفحات هذين العددين، لم اكن اري صور جامع العثمان وحده، بل كنت اري جانبا من تاريخ الكويت محفوظا بالصوره والكلمه. تفاصيل ربما ضاعت من الذاكره، واخري تغيرت مع الزمن، لكنها بقيت حيه داخل صفحات مجله صدرت قبل اكثر من نصف قرن. وهنا حضرت المفارقه، ومعها السؤال: اذا كانت «العربي» قد حفظت ذاكرتنا طوال هذه العقود، فمن يحفظها اليوم؟ فالمجله التي كانت تصل كل شهر الي بيوت القراء في مختلف انحاء الوطن العربي غابت نسختها الورقيه عن الاكشاك منذ فتره، وان استمر حضورها الكترونيا. وقد اعلن المجلس الوطني للثقافه والفنون والاداب ان تعطل التوزيع الورقي مرتبط باستكمال بعض الاجراءات القانونيه وتطوير مسار التوزيع. لكن هل يعقل ان تتعطل مجله بهذا التاريخ، وهذه القيمه الثقافيه والتوثيقيه، بسبب عقد توزيع او اجراءات اداريه؟ خصوصا ان جهازها التحريري ما زال قائما، ولها رئيس تحرير وكتاب وارشيف وموقع الكتروني. لا اقلل من اهميه النشر الالكتروني، فهو ضروره فرضها العصر، لكنه ينبغي الا يكون بديلا كاملا عن النسخه الورقيه، ولا سيما لمجله مثل «العربي»، فالعدد الورقي ليس مجرد وسيله لقراءه مقال، بل وثيقه تبقي في المكتبات والبيوت، وقد يعود اليها باحث بعد خمسين او ستين عاما، كما عدنا نحن الي عددي 1964 و1977 لتوثيق تاريخ جامع العثمان. ولو كانت تلك المواد قد نشرت في موقع الكتروني قديم ثم تعطل او تغير، فهل كنا سنجدها اليوم؟ المواقع تتغير، والروابط تختفي، والمنصات تغلق، اما الورق، اذا حفظ جيدا، فيبقي شاهدا لا يحتاج الي كلمه مرور ولا الي تحديث البرنامج! لقد كانت «العربي» واحده من انجح رسائل الكويت الثقافيه الي العالم العربي، واسهمت في تقديم صوره لدوله صغيره في مساحتها، كبيره في طموحها ودورها الثقافي. ولذلك، فان استمرارها ليس شانا اداريا يخص جهه حكوميه، ولا مساله حساب ارباح وخسائر او عدد النسخ المبيعه، بل هو حفاظ علي جزء من تاريخ الكويت وقوتها الناعمه. ولا اظن ان بلدا انشا مجله بهذا الحجم عام 1958، حين كانت امكاناته محدوده، يعجز اليوم، بامكاناته الكبيره وتقنياته الحديثه، عن طباعتها وايصالها الي قرائها، المطلوب ليس اعاده «العربي» كما كانت فقط، بل تطويرها وتسويقها وربط نسختها الورقيه بمنصاتها الرقميه، حتي تصل الي جيل جديد يقرا بطريقه مختلفه، لكنه لا يقل فضولا عن الاجيال السابقه. شكرا للاستاذ ابراهيم المليفي علي هديته النادره، ولكل من حفظ ارشيف «العربي»، لكن الشكر وحده لا يكفي، فالمجله التي حفظت ذاكرتنا تستحق منا ان نحفظ حاضرها، ونضمن مستقبلها، ونعيدها الي مكانها الطبيعي في مكتبات الكويت وبيوت العرب. وتسلمون. عدنان عبدالله العثمان