ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. عبدالحميد الشايجي

اعلام من بلدي (4).. الشيخ عبدالله السالم الصباح.. رائد الاستقلال وباني الدوله الدستوريه

اعلام من بلدي (4).. الشيخ عبدالله السالم الصباح.. رائد الاستقلال وباني الدوله الدستوريه

انتم ال الصباح؛ اسره عريقه الجذور، اصيله المعدن، كريمه المنبت، ضاربه في اعماق التاريخ، عرفها الناس بالمروءه والكرم، وبالوفاء والثبات، وبحسن السيره وطيب الاثر. ومن اجل ذلك ابتدات بكم، ومنكم كانت البدايه؛ فكان اختيار اسره ال الصباح باكوره هذه السلسله اعلام من بلدي، وفاء لاسره ارتبط اسمها بتاريخ الكويت، وكان لها في مسيرتها حضور راسخ واثر ممتد. ولان الاسره الكبيره تعرف برجالها ونسائها، فقد رايت ان تكون البدايه من اعلامها؛ اولئك الذين تركوا في مسيره الكويت بصمات تستحق ان تروي، وسيرا تستحق ان تستعاد، واعمالا جديره بان تبقي في ذاكره الوطن والاجيال. الحلقه الثانيه: حين اصبح النفط قوه للدوله حين تسلم الشيخ عبدالله السالم الصباح حكم الكويت سنه 1950، لم يكن النفط مجرد مورد جديد في خزينه الكويت؛ بل كان قوه بدات تعيد تشكيل البلاد من الداخل. ففي 30 يونيو 1946 شهدت الكويت تصدير اول شحنه تجاريه من النفط الخام، ايذانا بدخول البلاد عصرا اقتصاديا جديدا. ومع اتساع الانتاج والعوائد، ازدادت قدره الدوله علي الانفاق، وبدا المجتمع يستعد لتحول لم تعرف الكويت مثله من قبل. لكن النفط في حد ذاته لا يبني دوله؛ فالثروه تمنح الفرصه، اما تحويلها الي نهضه فيحتاج الي رؤيه واداره ومؤسسات. وهنا تتجلي اهميه عهد الشيخ عبدالله السالم؛ اذ لم تكن القضيه عنده ان تملك الكويت ثروه اكبر، بل ان توظف هذه الثروه في بناء دوله اقوي، وانسان اكثر تعليما، ومؤسسات اكثر قدره علي الاستمرار. اولا: من اقتصاد البحر الي اقتصاد الدوله كانت الكويت قبل النفط تعتمد علي البحر والتجاره والغوص علي اللؤلؤ وصناعه السفن، وكانت مواردها محدوده، ودور الدوله تبعا لذلك كان محدودا. اما بعد النفط، فقد تغيرت المعادله. ازدادت الايرادات، واتسعت مسؤوليات الدوله، وبدات تتولي ادوارا اكبر في التعليم والصحه والاسكان والمرافق والخدمات. ولم يعد المواطن يعتمد علي امكانات المجتمع وحدها في توفير كثير من احتياجاته؛ فقد اصبحت الدوله حاضره بصوره متزايده في الحياه العامه. وهنا وقع التحول الاهم: لم يعد النفط يمول اقتصاد الكويت فقط؛ بل بدا يمول بناء الدوله نفسها. وكان الانتقال من اقتصاد محدود الموارد الي اقتصاد نفطي واسع الايرادات يفتح ابوابا هائله، لكنه في الوقت نفسه يفرض سؤالا اكبر: كيف تتحول الوفره الي بناء دائم؟ وكانت اجابه عبدالله السالم تتشكل تدريجيا في صوره دوله تتوسع وظائفها، وتكبر مؤسساتها، ويزداد اعتمادها علي الانسان الكويتي في اداره المرحله الجديده. ثانيا: حين تصبح الثروه مسؤوليه لم يكن السؤال: كم تملك الكويت من المال؟ بل: ماذا ستفعل الكويت بهذا المال؟ وكانت الاجابه تظهر في صوره مدارس ومستشفيات وطرق ومرافق ومؤسسات وخدمات. توسع التعليم، وتطورت الخدمات الصحيه، واتسعت الاداره الحكوميه، وبدات الدوله تبني البنيه الاساسيه، التي تحتاج اليها مدينه تتجه بسرعه نحو الحداثه. ولم يكن التعليم مجرد خدمه اجتماعيه، بل كان ضروره لبناء الدوله؛ فالكويت التي تريد اداره مؤسساتها وتوسيع اقتصادها تحتاج الي مواطن متعلم، وموظف مؤهل، وكفاءات وطنيه قادره علي حمل مسؤوليات المرحله الجديده. وهكذا اصبح الاستثمار في الانسان احد اهم وجوه التحول، الذي شهدته الكويت في عهد الشيخ عبدالله السالم. فالنهضه التي تقوم علي المال وحده قد تصنع عمرانا، اما النهضه التي تستثمر في الانسان فتصنع مستقبلا. ثالثا: الكويت تتغير من الداخل لم يكن اثر النفط ظاهرا في خزينه الدوله وحدها؛ فقد تغيرت المدينه، والبيوت، والمهن، وانماط الحياه. فبدات الكويت القديمه، باحيائها واسواقها وازقتها، تفسح المجال لمدينه حديثه تتسع طرقها ومرافقها واحياؤها، وانتقل المجتمع تدريجيا من الاعتماد علي المهن التقليديه الي وظائف جديده فرضتها الدوله الحديثه والاقتصاد النفطي. كبر الجهاز الحكومي، واتسعت قاعده الموظفين، وتزايد الطلب علي التعليم والتخصص. وهكذا لم يكن النفط مجرد ثروه تحت الارض؛ بل اصبح قوه تغير ما فوق الارض. لقد كان المجتمع الكويتي يعيش انتقالا عميقا: من مجتمع محدود الموارد والامكانات الي مجتمع تتسع فيه مؤسسات الدوله، وتتزايد فيه فرص التعليم والعمل والخدمات. رابعا: بناء الانسان قبل اتساع البنيان كان من السهل ان تظهر مظاهر الثراء في المباني والشوارع، لكن التحدي الحقيقي كان اعمق: هل تستطيع الكويت ان تحول الثروه الي انسان قادر علي صناعه المستقبل؟ وهنا برز التعليم بوصفه استثمارا استراتيجيا. فقد شهد عهد الشيخ عبدالله السالم توسعا في التعليم، وتطورت البعثات التعليميه، واتسعت فرص الدراسه داخل الكويت وخارجها. ولم تكن البعثات مجرد وسيله للحصول علي الشهاده؛ بل كانت جسرا يصل الكويت بالعالم الحديث، ويعيد اليها ابناءها وهم يحملون العلوم والخبرات، التي تحتاج اليها الدوله الجديده. فالبنيان يصنع العمران، اما الانسان فيصنع الدوله. ولذلك لم يكن اهتمام الشيخ عبدالله السالم بالتعليم منفصلا عن مشروعه الاوسع في بناء الكويت؛ فالدوله الحديثه تحتاج الي الانسان الذي يديرها، والقانون الذي ينظمها، والمؤسسات التي تحفظ استقرارها. خامسا: الدوله تتسع... فتحتاج الي قانون كلما اتسعت وظائف الدوله، ازدادت حاجتها الي التنظيم. فالدوله التي تتضاعف مواردها وتتسع خدماتها لا يمكن ان تدار باساليب مرحله محدوده الموارد. ولهذا شهد عهد الشيخ عبدالله السالم نموا في البناء الاداري والتشريعي، وتطورا في تنظيم القضاء، واعاده تنظيم الدوائر الحكوميه، وصدور تشريعات اسهمت في ترسيخ الاطار المؤسسي للدوله. ومن ابرز الدلالات علي هذا التحول صدور المرسوم الاميري لسنه 1960 بتنظيم اداره الفتوي والتشريع، لتتولي صياغه مشاريع القوانين والمراسيم واللوائح، وابداء الراي القانوني، والاضطلاع بالمهام القانونيه التي تحتاج اليها اجهزه الدوله. وفي العام نفسه صدر قانون النقد الكويتي بالمرسوم الاميري لسنه 1960، وانشئ مجلس النقد الكويتي، ثم طرح الدينار الكويتي للتداول في ابريل 1961، ليكون ذلك خطوه اخري في بناء مقومات الدوله الحديثه. وقد تبدو هذه الاجراءات اداريه او ماليه في ظاهرها، لكنها تكشف تحولا اعمق: الكويت لم تكن تبني مشاريع فقط؛ كانت تبني جهاز دوله، وهنا يظهر الفرق بين الثروه التي تستهلك، والثروه التي تؤسس. سادسا: من الثروه الي القدره وهنا نصل الي جوهر المرحله. لم تكن اهميه النفط في انه جعل الكويت دوله غنيه فحسب، بل في انه منحها القدره: قدره علي التعليم، وبناء الخدمات، وتطوير الاداره، وانشاء المؤسسات، وتاهيل الانسان، واقامه دوله حديثه. وهذه هي النقله التي صنعت الفرق بين دوله تملك موردا طبيعيا، ودوله تستطيع ان توظف هذا المورد في بناء مستقبلها. فالنفط لم يكن الغايه؛ بل كان الاداه. والمال لم يكن المشروع؛ بل كان وسيله المشروع. اما المشروع الحقيقي فكان بناء دوله قادره علي الاستمرار. ومن هنا يمكن فهم تجربه الشيخ عبدالله السالم: فقد ادرك ان قوه الكويت المستقبليه لن تقاس بما تملكه من اموال فقط، وانما بما تمتلكه من انسان ومؤسسات وقدره علي اداره شؤونها. سابعا: التنميه تمهد للسياده وهنا يلتقي الاقتصاد بالسياسه. فالدوله التي تملك موارد، ومؤسسات، واداره حديثه، ومجتمعا اكثر تعليما، تكون اكثر قدره علي اداره شؤونها وحمايه مصالحها وممارسه سيادتها. ولهذا لم تكن التنميه في عهد الشيخ عبدالله السالم منفصله عن التحول السياسي، الذي كان يقترب. فبحلول نهايه الخمسينيات، كانت الكويت قد اصبحت مختلفه كثيرا عن الكويت، التي تسلمها الشيخ عبدالله السالم سنه 1950: اقتصاد يتطور، ومجتمع يتعلم، ومؤسسات تتوسع، واداره حديثه تنمو، وقدره وطنيه تتشكل. لقد كانت الكويت تتهيا للخطوه الاكبر. فاذا كانت الدوله قد اصبحت قادره علي اداره شؤونها في الداخل، فمتي تصبح صاحبه السياده الكامله في الخارج؟ كان الجواب يقترب. وفي 19 يونيو 1961 دخلت الكويت مرحله جديده من تاريخها، حين اعلن الشيخ عبدالله السالم انتهاء اتفاقيه الحمايه مع بريطانيا، وانتقلت الكويت الي مرحله الاستقلال والسياده الكامله. لكن الاستقلال لم يكن حدثا معزولا، ولم يولد في يوم واحد؛ بل سبقته سنوات من بناء الانسان، وتوسيع المؤسسات، وتطوير الاداره، وتعزيز قدره الدوله علي اداره شؤونها. وهنا تتضح الصوره كامله: لقد كان النفط بدايه التحول الاقتصادي، لكن الشيخ عبدالله السالم جعل من هذا التحول مشروعا لبناء الدوله، ومن دوله تتسع مواردها، الي دوله تتسع مؤسساتها، كان الطريق يقود الي اللحظه التاريخيه الكبري: 19 يونيو 1961... يوم الاستقلال. وتلك هي قصه الحلقه القادمه. الزبده 1. بدا تصدير النفط الكويتي تجاريا في 30 يونيو 1946، واتسعت اثاره بصوره كبيره في عهد الشيخ عبدالله السالم. 2. انتقلت الكويت تدريجيا من اقتصاد البحر والتجاره الي اقتصاد نفطي تتسع فيه وظائف الدوله. 3. تحولت عوائد النفط الي تعليم وصحه واسكان ومرافق وخدمات وبنيه اساسيه. 4. جعل الشيخ عبدالله السالم من بناء الانسان والتعليم اساسا لبناء الدوله الحديثه. 5. ادي اتساع موارد الدوله ووظائفها الي نمو الاداره والتشريع وتنظيم القضاء. 6. لم يغير النفط الاقتصاد فقط، بل غير المدينه والمجتمع وانماط الحياه. 7. لم يكن النفط غايه في مشروع الشيخ عبدالله السالم، بل اداه لتكوين القدره الوطنيه وبناء المؤسسات. 8. لم يكن استقلال الكويت في 19 يونيو 1961 حدثا منفصلا، بل ثمره لمسار من بناء الانسان والمؤسسات وتعزيز قدره الدوله علي اداره شؤونها. د. عبدالحميد خليفه الشايجي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓