«اكثر العيون زرقه».. روايه الفصول الاربعه

مني الشافعي - فكره الروايه مستمده من الواقع، مع ان الروايه تحمل الكثير من الخيال، وخاصه امنيه بطله الروايه، الطفله السوداء بيكولا، التي كانت تحلم بالحصول علي عينين زرقاوين فوق بشره سوداء؛ حتي تتميز بجمال البيض. ذلك حين يصبح الجمال هاجسا حياتيا، خاصه للفتيات. فالجمال كان مقترنا فقط باللون الابيض والعيون الزرقاء، اما اللون الاسود فكان هامشا. حلم بيكولا يبدو بسيطا، لكنه مستحيل حد الوجع. تقول موريسون: «لو كانت عيناها مختلفتين.. لكانت هي مختلفه». وفي موضع اخر تقول: «كانت تصلي كل ليله.. من اجل ان تصبح عيناها زرقاوين». كل هذه الاحلام والامنيات والصلوات لبيكولا، لا تتعلق باللون الازرق بقدر ما تتعلق بنظره المجتمع والعالم لشكلها ولونها، وتقبلها كما هي؛ طفله تخلو ملامحها وبشرتها السوداء من ايه مسحه خفيفه من الجمال الانثوي. والاهم ايضا نظرتها الي نفسها، بحيث تتقبل شكلها ولون بشرتها السمراء؛ لان قبح الشكل يمتد من المراه ليغزو روح الانسان حين يتقبله ويستسلم له. اعتقد ان رغبه بيكولا بالجمال تشبه رغبه كثير من الفتيات في كل زمان وكل مجتمع؛ فهناك من تبحث عن جمال يرضي انوثتها، ورغبتها في ان تكون مقبوله ومحبوبه ممن حولها، لكن الفرق فقط يكون حسب المجتمعات ومعاييرها. فالجمال لا يختصر في لون واحد ابيض وعيون زرقاء، بل يتغير ويتجدد ليصبح اكثر عدلا واتساعا، حتي يشبهنا جميعا. بالتالي، فان حلم بيكولا يتكرر حتي هذه اللحظه في العالم! حين يشبه الزمان المكان! مكان الروايه مدينه لورين في ولايه اوهايو. اما الزمان فخلال الحرب العالميه الثانيه عام 1941. وتتخلل احداث وفصول الروايه تداعيات لسنوات ماضيه من العشرينيات والثلاثينيات، تحكي بعضا من حياه السود في بعض المدن والولايات الامريكيه، وخاصه الجنوبيه، ومنها الاباما. حيث تطرح موريسون موضوعات العبوديه، والذل، والاهانه، والاحتقار، كما تلقي الضوء بجراه علي المسكوت عنه، وهو الاعتداء الجنسي علي الفتيات الصغيرات، والانكي من ذلك لومهن وعدم محاسبه المذنب؛ خاصه ان بطله الروايه، الطفله بيكولا، تعرضت لذلك فساءت حالتها النفسيه اكثر، حتي اصبحت كالمجنونه تعيش بين النفايات. تقول موريسون: «لقد القينا عليها كل نفاياتنا.. فامتصتها وحدها». وتقول في موضع اخر: «نحن نؤذي الناس ونتركهم يظنون ان الاذي خطؤهم». بمعني ان ذلك المجتمع يلقي علي الضعفاء كل قسوته واحكامه وتشوهاته النفسيه، بينما يتحمل الضعيف المسكين كل هذه الاثقال فوق كتفيه، ليصبح الالم والوجع طريق حياه قاسيه وثقيله. وهذا ما حدث مع الطفله بيكولا، التي تحملت كل هذه النفايات والاذي والوجع من المجتمع. وفي موضع اخر تقول: «وهمسا، كما لو ان الامر سر مكتوم.. لم تتفتح ازهار القطيفه في خريف عام 1941». وهذا ليس فقط عن ازهار القطيفه؛ فالقصد هنا، او الاستعاره، ان حتي الازهار ترفض ان تتفتح في مجتمع يغتال براءه الطفوله. البراءه.. الطفوله المفقوده! تاخذنا موريسون الي عوالم قاسيه وصعبه تعيشها الطفوله، خاصه الفتيات؛ فالطفوله لا تترك لتعيش حياتها العاديه بكل سلام، كايه طفوله اخري. فكثيرا ما تختلط البراءه بامور اخري تشوهها ولا تليق بها، حتي تصبح هذه هي الحاله اليوميه الحقيقيه للطفوله. تقول موريسون: «الكبار لا يتحدثون الينا.. انهم فقط يعطوننا الاوامر». بمعني ان هناك مسافه طويله بين عالم الطفوله وعالم الكبار؛ ففي ذلك المجتمع لا يلتفت الي مشاعر الاطفال واحاسيسهم ومخاوفهم ورغباتهم ومتطلباتهم، بل يملي عليهم فقط ما يجب ان يفعلوه. وتقول في موضع اخر: «ربما لم يكن هناك ما يسمي بالطفوله.. بل فقط بدايه الالم». يا لها من جمله صادمه وقاسيه. بصراحه، هذا ما وجدناه مندسا بامتياز، بين صفحات الروايه. وفي موضع اخر تقول موريسون: «الحب لا يكون اجمل من صاحبه». تلمح الي ان القلوب المكسوره والمتعبه والمثقله بالحرمان والقسوه، لن تثمر الا مزيدا من الخيبات. بعد كل هذا الوجع والخيبات والصمت، تختصر موريسون الروايه بهذه الجمله: «كان الخراب كاملا». فالخراب هو الذي طال الطفوله كامله، كان البراءه نفسها انكسرت في ذلك المجتمع، بحيث لا يمكن ترميمها او تجميلها. الروايه عباره عن جرح انساني عميق، يتجاوز حكايه طفله تحلم بعينين زرقاوين. روايه الفصول الاربعه! الزمن عند موريسون ليس ثابتا، انما متحولا، كما هي الفصول الاربعه؛ ينمو معها ويتبدل معها. تبدا الروايه بفصل الخريف، ثم الشتاء، فالربيع، وتنتهي في فصل الصيف، ولكل فصل احداثه وقصصه وتداعياته، وحتي لغته المختلفه، وكانه دوره حياه قائمه بذاتها. هناك الكثير من التداعيات والاسترجاعات الزمنيه «الفلاش باك» في الروايه، تتداخل وتتقاطع وتصبح احيانا صعبه الفهم؛ ذلك لان لغه الروايه تزخر بالتلميح اكثر من الشرح، لكنها تترك اثرا ساحرا في النفوس. كقارئه، نسيت اغلب احداثها وحكاياتها، لكنني احتفظت منها باحساس غامض ليس له اسم، دفعني لقراءتها مره اخري، مع انها روايه الالم والوجع! كما تقول موريسون في احدي صفحات الروايه: «انتزع البؤس الملون بالاخضر والازرق في صوت امي، كل الحزن من الكلمات، وتركني مقتنعه بان الالم ليس من الممكن احتماله فحسب، وانما هو عذب ايضا». ثلاث مراحل! روايه «اكثر العيون زرقه» هي الروايه الاولي للكاتبه الامريكيه توني موريسون، وقد صدرت عام 1970. لا شك بانها روايه مميزه، لكنهم استبعدوها، وهناك من اعتبرها تافهه. ولم تاخذ حظها الحقيقي من الشهره الا عام 1995، فقد عادت بقوه بعد ان قرئت بوعي مختلف، فاصبحت من اشهر واهم الاعمال الادبيه التي تناولت باحساس صادق قضايا العرق، والهويه، والعنصريه وغيرها، كما ترجمت الي العربيه في العام نفسه. اما المرحله الثالثه، فكانت عام 2013، وبعد 43 عاما من صدورها، حين منعت في بعض الولايات والمدن الامريكيه؛ لانها فضحت الاعتداءات الجنسيه وحياه السود، والانكي من ذلك حذفها من المدارس والجامعات والمكتبات المدرسيه. روايات موريسون جميعها، ومنها هذه الروايه التي تدور في فلك التمييز العنصري، جسدت حياه السود ومعاناتهم النفسيه والاجتماعيه في امريكا بجداره وجراه، كما تطرح ايضا كيف ان السود، بحكم لقمه العيش وصعوبه الحياه، ينتقلون دائما بين الولايات والمدن. وكل هذه القصص والحكايات والروايات، اوصلت موريسون الي جائزه نوبل للاداب عام 1993.