ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. حامد الحمود

كيف تشكل المجتمع الاسرائيلي؟ (2–2)

كيف تشكل المجتمع الاسرائيلي؟ (2–2)

يمكن القول ان دمج المهاجرين اليهود لفلسطين واجبارهم للحديث والكتابه باللغه العبريه الحديثه كانا اهم عاملين شكلا المجتمع الاسرائيلي محولين شعوبا من قوميات واعراق مختلفه الي شعب واحد. وفي هذا المجال لا بد من التوضيح ان اللغه العبريه الجديده هي لغه جديده، او انها لغه مخترعه. فهناك لغه عبريه معروفه يقرا بها التوراه والتلمود وتستخدم في الصلوات والمناسبات الدينيه، ويصر رجال الدين علي قصر استعمالها علي قراءه الكتب الدينيه والصلوات فقط، اما الغالبيه من اليهود فكانت تتحدث اليديشيهYiddish. لكن اللغه العبريه الحديثه اخترعت علي يد ايليعزار بن يهودا (1922–1858) والذي ولد في روسيا البيضاء عام 1858 وتمكن من خلال القوي السياسيه الصهيونيه من تعميمها لتكون اللغه الرسميه في المدارس والمراسلات الرسميه ولغه الشارع. فكان هذا اهم عامل حول اليهود من مكونات قوميه وعرقيه مختلفه الي شعب اسرائيلي واحد. وهذا الحدث من الاهميه الذي يجب علينا ان نقف عنده. فاللغه هي العامل الاهم الذي يشكل الامه. فكون اللغه العربيه لغه القران هو الذي جعلها بعد الاسلام لغه الثقافه، وهي العامل الاهم المشكل للقوميه العربيه. وترجمه الكتاب المقدس الي كل من اللغتين: الانكليزيه والالمانيه من اللاتينيه هي التي شكلت القوميتين: الانكليزيه والالمانيه. وفي هذا المجال يقول المؤرخ اناتولي رابوبورت: «اللغه هي المقياس الاكثر اهميه الذي يتجسد فيه التعريف بالمواطنه. وحب الفرد للغته من مظاهر الاحساس النبيل الذي يتملك المفكر والمثقف وذوو الاخلاق الكريمه». ولاهميه حدث تاسيس اللغه العبريه الحديثه، لا بد من الحديث اكثر عن ايليعزار بن يهودا Eliezer Ben Yehuda (1922–1858) صاحب هذا الاختراع الكبير، وان لم يخترعه من الصفر. وقد ذكرنا انه ولد عام 1858 في روسيا البيضاء، وفي عام 1877 توجه للدراسه في باريس في جامعه السوربون حيث درس تاريخ الشرق الاوسط. وفي باريس قابل يهوديا من القدس، وفي عام 1881 هاجر لاسرائيل مقيما في القدس عاملا في التدريس مكرسا نفسه لتطوير اللغه العبريه مستفيدا من مفردات وقواعد لغات ساميه مثل العربيه والاراميه. وكان من الداعمين لفكره هرتزل التي اطلقها عام 1903 بتاسيس وطن قومي لليهود في اوغندا بعد ان فشل هرتزل في اقناع السلطان العثماني والقيصر الالماني بتاسيس وطن لليهود في فلسطين. وقد بدا ايليعزار بتدريس اللغه العبريه الجديده لولده وابنته وحصر تواصلهما علي هذه اللغه الجديده حتي ان هناك من حذره ان طفليه سيشبان متخلفان عقليا. لهذا السبب ومن خلال العمل في لجنه تاسيس اللغه العبريه الف اول قاموس للغه العبريه الحديثه. وتجاوز نشاطه العلمي الي السياسه وسجن مع والد زوجته من قبل السلطات العثمانيه لاعتباره محرضا ضد الدوله العثمانيه. واخذت فكرته بنشر هذه اللغه بين المهاجرين اليهود بالنجاح تدريجيا بالرغم من مقاومه رجال الدين له، وحتي بعض العلمانيين الصهاينه، والذي كان ابرزهم ثيودور هرتزل. والمفارقه ان ابن ايليعزار بن يهودا مؤسس اللغه العبريه الحديثه والذي اسمه اتمار Itamar والذي تعني التمر بالعبريه. وبالرغم من تعلمه العالي في اوروبا ورجوعه لفلسطين عام 1908 ونجاحه في المجال الصحافي فانه عاش ظروفا اقتصاديه صعبه، واضطر للهجره الي نيويورك عام 1942 التي توفي فيها بعدها بسنه. وينقلنا سيغيف الي موضوع التحديات الاقتصاديه التي واجهها المجتمع اليهودي في فلسطين قبل تاسيس اسرائيل، فالتحديات لم تقتصر علي صراع مع العرب ولا علي تنافس بين تنظيمات يساريه واخري محافظه، وانما كثير من امثال اتمار بن ايليعزار عانوا من مشاكل اقتصاديه. لذا فان حوالي 50000 او اكثر من المهاجرين في ظل الانتداب البريطاني هاجروا الي خارج فلسطين قبل تاسيس دوله اسرائيل. والي حد كبير، فان المجتمع الاسرائيلي عاني لسنوات عديده اقتصاديا واجتماعيا قبل وبعد تاسيس الدوله. لكن المعاناه تراجعت كثيرا بعد حرب يونيو «حزيران» 1967 التي زادت كثيرا من ثقه اسرائيل بنفسها، وزادت ثقه العالم بها، خاصه ثقه الولايات المتحده. فاسرائيل والي نهايه الستينيات كانت تحالفها العسكري الرئيسي مع فرنسا وبريطانيا، بل انها خططت لحرب السويس عام 1956 دون علم الولايات المتحده. لكن بعد حرب 1967 الولايات المتحده هي التي اكتشفت او انبهرت بالتفوق الاسرائيلي، واختارتها ان تكون شريكا استراتيجيا وعسكريا وعلميا واقتصاديا لها. فاستثمرت الشركات الامريكيه وبنت مصانع في هذه الدوله الفتيه وحتي الجامعات الامريكيه تنافست بالمشاركه مع الجامعات الاسرائيليه في البحث العلمي. ولا بد من الاعتراف ان تفوق المجتمع الاسرائيلي كان بدون منافسه من المجتمع العربي الفلسطيني الذي ظل بدائيا. فالي عام 1948 لم تنشا اي جامعه عربيه فلسطينيه، بينما تاسست الجامعه العبريه ومعهد اسرائيل للتكنولوجيا في اول العشرينيات من القرن الماضي. اضافه الي معهد وايزمان للبحوث العلميه الذي تاسس في الثلاثينيات من القرن الماضي. لكن يبقي ان اهم ما فعلته اسرائيل، انها حولت شعوبا من عرقيات ولغات مختلفه الي شعب واحد، وما كان ذلك ليتحقق لولا وعي المؤسسين ان اهم عامل لتشكيل الامه هو اللغه. فكان ان فرضت اللغه العبريه الحديثه التي الفها المواطن اليهودي ايليعزار بن يهودا، الذي جاء من روسيا البيضاء، لغه رسميه في الدوائر الحكوميه والمدارس والجامعات والشارع. ففي اسرائيل حتي الطب والهندسه يدرسان باللغه العبريه. وحتي الطلبه العرب الاسرائيليون المتفوقون الذين يقبلون في جامعات النخبه في اسرائيل يتلقون علومهم باللغه العبريه. والعرب المتميزون في الادب يكتبون اشعارهم ورواياتهم باللغه العبريه، هذا دون ان ينسوا او يتناسوا لغتهم العربيه. لكنهم يكتبون باللغه العبريه للوصول الي قاعده اوسع من القراء.. وسنتحدث في حلقات قادمه حول ان فرض اللغه العبريه لم يكن بالامر السهل، لكنه واجه مقاومه من يهود اوروبيين خاصه من اليهود الالمان والنمساويين. د. حامد الحمود

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓