ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasالقبس الثقافي

قلق الثلاثين وخلاص الرماد

قلق الثلاثين وخلاص الرماد

ازدهار عثمان ابوالليرات - حين يمر المرء منا بعتبه الثلاثين، لا يعود العمر مجرد رقم في سجلات الايام، بل يتحول الي مواجهه حاده مع شروخ الذاكره واسئله الوجود. هذا تماما ما شعرت به وانا اطالع ديوان «في الثلاثين من نخلها» للشاعره العمانيه عائشه السيفي؛ حيث تشرع نوافذ روحها لتكتب سيره هذا النضج المقلق. واعترف انني حين توقفت عند قصيدتها «تتجافي جنوبهم»، شعرت بانني امام ذروه هذا النزف الوجداني، حيث يتحول النص صلاه صوفيه طويله. تستعير الشاعره عنوان قصيدتها من الايه القرانيه: «تتجافي جنوبهم عن المضاجع»، لكنها بحساسيه مفرطه تغير هذا المفهوم التعبدي الصرف. فالجنوب هنا لا تجافي النوم رغبه في الطمانينه واليقين الغيبي، بل لان الروح باتت «مسكونه» ومثقله بوعي مؤرق تجاه وحشه الحياه وعذابات البشر. لم يعد التجافي مجرد قيام للعباده، بل غدا سهدا طويلا ومواجهه حتميه مع الذات والذاكره. كتبت السيفي نصها علي ايقاع تفعيله بحر المتقارب (فعولن) بنبرته السريعه والمتلاحقه التي تشبه نبضات قلب متعبه. لكن الجمال الحقيقي يكمن في تلك الموسيقي الداخليه التي احدثها تكرار حرف الجر «الباء» بشكل متتال وصادم: (بالبحر، بالغرقي، بموت، بقطه، بالضحكات، بالنساء، بالاوطان). هذا التراكم اللفظي يجسد فكره الازدحام والامتلاء الروحي داخل الشاعره، وكانها تقول لنا ان روحها وعاء يغص بالام الكائنات ومصائرها. تاخذنا السيفي بسلاسه مدهشه من غرفتها الضيقه وشوارعها الموحشه الي فضاء كوني شاسع. في البدايه، تقلب دلالات الاشياء العاديه؛ فالبحر الذي يرمز للحريه يصبح فجاه مقبره «للغرقي»، وعمود الضوء الخافت في الشارع يتحول الي اداه حاده «تجرح عزله المارين». ثم سرعان ما تنسلخ من همها الشخصي لتبكي الاخرين، لتصبح روحها مراه تعكس عذابات الهامش البشري. انها تبكي النساء الجائعات، الارامل النائحات، الاطفال الذين بلا وطن. بل انها تذهب ابعد من ذلك عندما تمنح الجمادات حياه بشريه، فنجد «القلق» يتحول الي ايائل بريه تركض بجنون نحو مدن بعيده، وتصبح «الاوطان» كائنات حيه تبحث عن سجون للسماء في تعبير مجازي شديد العذوبه والمراره عن شهوه الانعتاق والحريه. تصل القصيده الي نهايتها باحكام شديد يعيدنا الي نقطه البدء، ليقفل النص ويمنحه هيبته الصوفيه. فبعد ان بدات الشاعره نصها باستغاثه صارخه: «مسكونه بالبحر يا الله»، نجدها تنهي المال بدعاء خاشع: «مسكونه يا رب فامنحني القصيده». في نهايه هذه المعركه الوجوديه الشرسه مع سن الثلاثين، لا تطلب عائشه السيفي من الله الفرج او الراحه، بل تطلب شيئا واحدا: «القصيده».

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓