ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. عبدالمحسن العنجري

التخطيط الاستراتيجي وتقدير الموقف السريع في ضوء اتفاقيه مكه للدفاع المشترك

التخطيط الاستراتيجي وتقدير الموقف السريع في ضوء اتفاقيه مكه للدفاع المشترك

يمثل توقيع اتفاقيه مكه للدفاع المشترك بين المملكه العربيه السعوديه وتركيا وباكستان في 7 اغسطس 2026 تطورا مهما في البيئه الامنيه الاقليميه، اذ نص الاتفاق علي ان اي هجوم مسلح علي احدي الدول الثلاث يعد هجوما عليها جميعا، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك. وتكتسب الاتفاقيه اهميه خاصه في ظل التحولات المتسارعه التي تشهدها المنطقه، الامر الذي يجعل التعامل معها بحاجه الي الجمع بين التخطيط الاستراتيجي الطويل المدي وتقدير الموقف السريع. ولا ينبغي النظر الي التخطيط الاستراتيجي وتقدير الموقف السريع باعتبارهما مسارين منفصلين؛ فالتخطيط الاستراتيجي يحدد المصالح والاهداف والاتجاهات الكبري، بينما يوفر تقدير الموقف السريع القدره علي التعامل مع المتغيرات المفاجئه واعاده تقييم الفرضيات والخيارات بصوره مستمره. ومن ثم، فان القيمه الحقيقيه تنشا من بناء حلقه متكامله تبدا برصد البيئه الاستراتيجيه، ثم تقدير الموقف، وتحليل التهديدات والفرص، وبناء السيناريوهات، واختيار البدائل، وصولا الي اتخاذ القرار وتحديث الخطه الاستراتيجيه. وتكشف اتفاقيه مكه عن تحول مهم في مفهوم بناء القدرات والردع الاقليمي؛ فالدول الثلاث تجمع بين عناصر قوه مختلفه يمكن ان تحقق قدرا من التكامل. فالسعوديه تمتلك ثقلا اقتصاديا وجيوسياسيا كبيرا في الخليج، وتركيا تمتلك قدرات عسكريه وصناعيه واسعه وموقعا استراتيجيا يربط مناطق متعدده، بينما تمتلك باكستان خبره عسكريه كبيره وقوه ردع نووي وعمقا استراتيجيا في جنوبي اسيا. ولذلك تبرز اهميه هذا الترابط بصوره اكبر في بيئه اقليميه سريعه التغير؛ اذ ان توقيع اتفاقيه دفاعيه لا يمثل بالضروره نقطه النهايه، وانما قد يكون بدايه لمسارات جديده تتضح مع الوقت. ولذلك فان المتابعه ينبغي ان تشمل مستوي التنسيق السياسي والعسكري والاستخباري وطبيعه التدريبات المشتركه، اي ترتيبات مؤسسيه لاحقه، اضافه الي مواقف الدول الاخري من هذا التطور. فهذه المؤشرات مجتمعه تساعد علي التمييز بين الطابع الرمزي للاتفاق وبين مدي تحوله الي منظومه تعاون فاعله. ومن منظوري كمواطن كويتي وخليجي ومراقب للتحديات الاقليميه والدوليه لمفهوم (توازن القوي)، فان السؤال الاساسي لا ينبغي ان يكون فقط: لماذا وقعت الاتفاقيه؟، بل: ما الذي تغير في البيئه الاستراتيجيه بعد توقيعها؟ وما السيناريوهات التي يمكن ان تنتج عنها؟ ويشمل ذلك متابعه تطور التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، ومستوي التنسيق السياسي والعسكري، واتجاهات توسيع الاتفاقيه او تطويرها، وردود فعل القوي الاقليميه والدوليه عليها. اما بالنسبه للكويت، فان التعامل مع الاتفاقيه ينبغي ان يستند الي المراقبه الاستراتيجيه الهادئه وليس ردود الفعل الانيه. ويقتضي ذلك تحديث تقديرات الموقف بصوره دوريه، وقياس انعكاسات الاتفاقيه علي منظومه «الامن الجماعي» لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربيه، وتحديد الفرص التي قد تتيحها لتعزيز التعاون الاقليمي، الي جانب دراسه المخاطر المحتمله الناتجه عن تغير توازنات القوي والتحالفات. وفي ضوء ذلك، يمكن النظر الي اتفاقيه مكه باعتبارها مؤشرا علي مرحله تتجه فيها المنطقه نحو ترتيبات اكثر تنوعا في مجال الدفاع والتعاون السياسي والاقتصادي وتبادل المعلومات. ويبقي نجاح هذه الترتيبات مرتبطا بقدرتها علي الانتقال من الاعلان الي الممارسه، ومن التفاهم السياسي الي اليات واضحه ومستدامه، ومن هنا، فان الكويت وبقيه الدول الاعضاء في مجلس التعاون امام حاجه متزايده الي تطوير ادوات الاستشراف والرصد والتحليل، بما يضمن قراءه التحولات قبل اكتمالها، وتحديد الفرص والمخاطر، وصياغه خيارات مرنه تحافظ علي المصالح الوطنيه وتعزز قدره المنطقه علي مواجهه مستقبل يحمل احتمالات متعدده. د.عبدالمحسن احمد العنجري

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓