ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. غدير محمد اسيري

قد لا تكفي الشهاده!

قد لا تكفي الشهاده!

نحتفي بالشهادات العلميه، ونعتز بحمله الماجستير والدكتوراه، وننظر الي التعليم بوصفه احد اهم ابواب التقدم، وهذا امر مستحق، لكن السؤال الذي يستحق ان نطرحه اليوم هو، هل تكفي الشهاده وحدها لصناعه الانسان القادر علي قياده المستقبل؟ الحقيقه ان هناك فرقا بين الشهاده والثقافه، فالشهاده تثبت ان صاحبها اجتاز مسارا اكاديميا محددا، اما الثقافه فتعكس اتساع افقه، والمعرفه تكشف قدرته علي الفهم والربط والتحليل، وقد يحمل الانسان اعلي الدرجات العلميه ويبقي اسير حدود تخصصه، بينما قد يمتلك شخص اخر ثقافه واسعه تجعله اكثر قدره علي قراءه الناس والمجتمع وفهم العالم والتعامل مع تحولاته، لذلك ينبغي الا تتحول الشهاده الي غايه نهائيه او لقب اجتماعي، بل الي بدايه لمسار اطول من التعلم، فالدول لا تتقدم بعدد الشهادات المعلقه علي الجدران، بل بنوعيه العقول الراقيه التي تفكر وتبحث وتبتكر وتختلف وتناقش، وبقدرتها علي تحويل التعليم الي معرفه، والمعرفه الي انتاج، والانتاج الي تنميه. وراء كل انسان واسع المعرفه شغف يدفعه الي اكتشاف المزيد، فالثقافه لا تبدا دائما من قاعه المحاضرات، بل قد تبدا من كتاب او سؤال او رحله، او تجربه او حوار مع شخص مختلف، والشغف هو الذي يجعل التعلم مستمرا بعد انتهاء الدراسه، لان الانسان الشغوف لا ينتظر منهجا ليقراه ولا امتحانا ليبحث، بل يتعلم لان المعرفه اصبحت جزءا من حياته، وهذا ما تحتاج اليه مجتمعاتنا اليوم، طبيب يقرا خارج الطب، ومهندس يفهم الاقتصاد والبيئه، واكاديمي يتابع التكنولوجيا، ومسؤول يعرف التاريخ ويقرا تجارب الدول، وشاب لا يحصر طموحه في الحصول علي وظيفه فقط بعد التخرج بل يسعي الي اكتساب المهارات وصناعه الفرص، وتجارب المجتمعات المتقدمه تقدم دليلا واضحا، فقد بنت الدول الاكثر قدره علي الابتكار منظومات تشجع البحث والقراءه والمكتبات والفنون والتكنولوجيا والتعلم مدي الحياه، لانها ادركت ان الاقتصاد الحديث لا يقوم فقط علي الموارد، بل علي الانسان القادر علي انتاج الافكار، وان المعرفه اصبحت ثروه وطنيه لا تقل اهميه عن اي مورد اقتصادي اخر. التطلع الحقيقي للمستقبل يجب ان يكون الانتقال من ثقافه السؤال «ماذا تحمل من شهاده؟» الي سؤال اكثر اهميه، «ماذا تعرف.. وماذا تستطيع ان تقدم؟» وهذا لا يعني التقليل من قيمه الجامعه، بل علي العكس، يعني استكمال رسالتها، فالجامعه الناجحه لا تمنح خريجها شهاده فحسب، بل تمنحه فضولا فكريا يدفعه الي مواصله التعلم، وهنا تصبح مسؤوليه بناء الانسان مسؤوليه مشتركه بين الاسره والمدرسه والجامعه والاعلام والمؤسسات الثقافيه، من خلال توفير بيئه تحترم القراءه والحوار والبحث العلمي والابتكار وتفتح المجال امام المواهب والافكار، ان مجتمعات المستقبل لن تتنافس فقط بعدد خريجيها، بل بقدره مواطنيها علي التفكير والتجدد وصناعه الحلول، ولذلك فان التفاؤل بمستقبلنا يبدا من اعاده تعريف النجاح نفسه، فالشهاده انجاز يستحق الاحترام، لكنها ليست نهايه الرحله، والثقافه ليست ترفا، والمعرفه ليست هوايه، والشغف ليس تفصيلا صغيرا، بل هي جميعا ادوات لبناء الانسان، وحين يصبح لدينا جيل يتعلم لانه يريد ان يعرف، ويقرا لانه يريد ان يفهم، ويبحث لانه يريد ان يصنع فرقا، عندها نكون قد وضعنا الاساس الاقوي لتنميه مستدامه، واقتصاد اكثر ابتكارا، ومجتمع اكثر وعيا، ووطن لا يكتفي بمن يحملون الشهادات، بل يفتح الطريق لمن يحملون الافكار. ودمتم سالمين،،، د. غدير محمد اسيري

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓