ضريبه البطء

عاده ما تتجه بوصله التقييم والرقابه في المؤسسات، حكوميه كانت ام خاصه، نحو قياس الهدر المباشر والذي يتمثل في الغالب بصوره ميزانيات لم تستغل، ومصاريف تشغيليه مرتفعه، ومشاريع تجاوزت جدولها الزمني. لكن هذه التقاييم تغفل نزيفا اقل ظهورا في الدفاتر، وربما اشد اثرا علي المستقبل وهو التكلفه الخفيه للبطء، وما يترتب عليه من فرص تضيع ولا يمكن استعادتها. الهدر المالي يمكن رصده في بند، وقد يعالج باعاده التنظيم او خفض المصروفات، اما الفرصه الضائعه فلا تظهر في الحسابات الرسميه. حين تتاخر شركه تقنيه في اطلاق منتج، او يتردد مستثمر في دخول سوق جديد، او يقبع مشروع تنموي بانتظار سلسله طويله من الموافقات، فان الخساره لا تقتصر علي الايام التي مضت، بل قد تعني سوقا سبق اليه منافس، او استثمارا ذهب لبيئه اخري، او خدمه عامه تاخر اثرها التنموي. وهذه ليست مجرد ملاحظه اداريه، بل واقع تدعمه الارقام، فقد اظهرت دراسه مسحيه حديثه لاحدي الشركات الاستشاريه، شملت اكثر من 1200 قيادي ومدير في شركات امريكيه كبيره، ان %73 منهم يقدرون كلفه بطء اتخاذ القرار وتنفيذه بما يصل الي %5 من الايرادات السنويه لمؤسساتهم. بينما خلصت استطلاعات اخري ان اقل من نصف المؤسسات تتخذ قراراتها بسرعه. اللافت هو ان المؤسسات والجهات التي نجحت في الجمع بين سرعه القرار وجودته تضاعفت لديها فرص تحقيق عوائد تصل الي %20 او اكثر. وفي القطاع التقني تحديدا تتضاعف هذه الكلفه فما يصلح اليوم قد يصبح اعتياديا غدا، والنافذه التي تتيح اطلاق خدمه او استقطاب استثمار او تبني تقنيه جديده لا تبقي مفتوحه الي الابد. وهنا تتجلي القاعده الفيزيائيه التي استشهدت بها الدكتوره امينه فرحان، المديره العامه لمؤسسه الكويت للتقدم العلمي، وظلت عالقه في اذهاننا: «اذا اردت ان تبقي مكانك فعليك ان تضاعف سرعتك». فالمؤسسه التي تبدو مستقره قد تكون في الحقيقه تتراجع نسبيا، لان العالم من حولها يتحرك، وبسرعه قياسيه. المشكله ان بعض بيئات العمل تتعامل مع اتخاذ القرار باعتباره مخاطره، بينما تتعامل مع عدم اتخاذه وكانه خيار بلا تكلفه. القرار الجريء قد يسال صاحبه عن نتيجته، اما التاجيل فيستطيع الاختباء خلف لجنه اخري، او دراسه اضافيه، او طلب جديد للبيانات. وهكذا تصبح كلفه الفعل مرئيه، بينما تبقي كلفه الامتناع عنه بلا صاحب، ان جاز التعبير. ولا يعني ذلك بطبيعه الحال الدعوه الي التسرع او تجاوز الحوكمه، فالسرعه المؤسسيه الحقيقيه تكمن في القدره علي التمييز بين الحاجه الاستراتيجيه للدراسه، وبين تحول الدراسه نفسها الي ذريعه للتاجيل. القرار الجيد ليس ارتجالا، بل قرار يستند الي دليل، ويمر بمنظومه اجراءات واضحه، ويقترن بموعد صارم للحسم. وان كنا جادين حقا في بناء اقتصاد قائم علي المعرفه، فعلينا الا نكتفي بالتفتيش عن الهدر المالي المباشر، بل ان نحاسب بالصرامه ذاتها علي الوقت المهدور، والفرص الضائعه، والقرارات التي ظلت معلقه حتي فقدت قيمتها. فالبطء ليس حكمه بالضروره، وفي كثير من الاحيان، يكون اشد قرارات المؤسسه كلفه هو القرار الذي اثرت الا تتخذه.. تلك ضريبه البطء!. د. ضاري عادل الحويل