بوصله الكويت في معادله الامن الاقليمي.. بين الدبلوماسيه والقوه

شهد النظام الدولي تحولات متسارعه فرضت واقعا جديدا في مفهوم القوه والعلاقات بين الدول، اذ اصبح نجاح الدوله في حمايه مصالحها وتعزيز مكانتها يعتمد علي تكامل ادواتها السياسيه والاقتصاديه والامنيه والدبلوماسيه، ضمن رؤيه استراتيجيه قادره علي مواجهه التحديات الاقليميه والدوليه المتغيره. واصبحت معادله الامن الحديثه تقوم علي التكامل بين السياسه والقوه، وبين الحكمه في اداره الازمات والقدره علي حمايه السياده والمصالح الوطنيه. وتقدم الكويت نموذجا متوازنا في هذه المعادله؛ فمنذ استقلالها في عام 1961انتهجت سياسه خارجيه تقوم علي الاعتدال، واحترام القانون الدولي، وعدم التدخل في الشؤون الداخليه للدول، ودعم الحلول السلميه للنزاعات. وقد رسخت حضورها في الامم المتحده، وجامعه الدول العربيه، ومجلس التعاون لدول الخليج العربيه ومنظمه التعاون الاسلامي، وساهمت في دعم العمل متعدد الاطراف، وتعزيز الحوار، وترسيخ مبادئ الامن والاستقرار، الي جانب دورها الانساني الذي اكسبها مكانه مرموقه علي الساحه الدوليه. وفي المقابل، ادركت الكويت ان نجاح الدبلوماسيه يرتبط بامتلاك عناصر القوه الوطنيه. فقد شكل الغزو العراقي عام 1990 نقطه تحول في التفكير الاستراتيجي للدوله، ورسخ قناعه بان حمايه السياده تتطلب بناء منظومه دفاعيه متطوره، وقوات مسلحه عاليه الجهوزيه، وشراكات دفاعيه فاعله، وتعاونا وثيقا مع دول مجلس التعاون الخليجي والدول الصديقه، بما يعزز القدره علي الردع وحمايه الامن الوطني. وقد اثبتت التطورات الاخيره المرتبطه بالصراع بين الولايات المتحده وايران ان البيئه الامنيه في الخليج العربي شديده الترابط، وان تداعيات الازمات قد تمتد الي دول تنتهج سياسات متوازنه وتسعي الي خفض التصعيد. وفي هذا السياق، تعرضت الكويت لاعتداءات بالصواريخ والطائرات المسيره، واكدت في مواقفها الرسميه من خلال وزاره الخارجيه الكويتيه رفضها لاي انتهاك لسيادتها، وتمسكها بحمايه امنها الوطني، بالتوازي مع استمرار دعوتها الي ضبط النفس، واحترام القانون الدولي، وتغليب الحلول السياسيه لتجنب اتساع دائره الصراع وتبرز هذه التجربه حقيقه استراتيجيه مفادها ان الدبلوماسيه لا تغني عن القوه، كما ان القوه لا تحقق اهدافها بمعزل عن الدبلوماسيه. فالدوله التي تمتلك قدرات دفاعيه موثوقه تستطيع ان تتحرك سياسيا بثقه، وان تدافع عن مصالحها الوطنيه من موقع قوه، فيما تمنح الدبلوماسيه الحكيمه تلك القوه شرعيه، وتوجهها نحو حمايه الاستقرار ومنع التصعيد. ومن هنا، تواصل الكويت تطوير منظومتها الدفاعيه، وتعزيز امنها البحري والسيبراني، ورفع جهوزيه مؤسساتها، الي جانب توسيع شراكاتها الاقليميه والدوليه، ادراكا منها بان التحديات المعاصره لم تعد تقتصر علي المواجهات العسكريه التقليديه، بل تشمل الهجمات السيبرانيه، والطائرات المسيره، وتهديدات امن الطاقه والممرات البحريه، وهي تحديات تتطلب استجابه شامله ومتكامله. تتبني الاستراتيجيه الكويتيه في مواجهه الازمات الراهنه نهجا متوازنا يرتكز علي تعزيز الامن الوطني، ودعم العمل الخليجي المشترك، والالتزام بالحلول الدبلوماسيه، مع تنويع الشراكات الدوليه، وترسيخ الاستقرار الاقليمي، بما يحفظ المصالح الوطنيه ويواكب المتغيرات الجيوسياسيه المتسارعه. ان معادله الامن الاقليمي في القرن الحادي والعشرين لم تعد تبني علي خيار الدبلوماسيه او القوه، بل علي حسن توظيفهما معا. وقد نجحت الكويت في ترسيخ هذا النهج عبر سياسه خارجيه مسؤوله، وقدرات دفاعيه متناميه، ورؤيه استراتيجيه تؤمن بان حمايه السلام تبدا ببناء القوه الرشيده، وان الحفاظ علي السياده والاستقرار يتطلب التوازن بين الحوار والردع، وبين الانفتاح السياسي والجهوزيه الوطنيه، بما يعزز مكانه الكويت بوصفها دوله مسؤوله وشريكا موثوقا في امن الخليج واستقراره. د. عبدالمحسن احمد العنجري