ديره.. ما مثلها ديره

متي تدرك ان عباره «الكويت.. ديره ما مثلها ديره» ليست مجرد كلمات تردد في المناسبات، بل حقيقه يجب ان نؤمن بها بكل جوارحنا ومشاعرنا؟ لا تكتشف قيمه الكويت وانت تعيش فيها، بل تكتشفها عندما تغادرها لفتره خارج دائره السياحه القصيره. في السفر، تكون سائحا لبضعه ايام، لكن عندما يطول بقاؤك بالخارج، وعندما تعيش اسابيع او اشهرا، وتبدا بممارسه تفاصيل الحياه اليوميه، تحتاج الي طبيب، وصيدليه، ومختبر، ومركز صحي، ومواصلات، وبقاله، وبنك، وخدمه حكوميه، وامان، في هذه الحاله تسقط الصوره السياحيه الجميله، وتظهر حقيقه الحياه التي ما ان نقارنها بالحال في الكويت، حتي يستيقظ بداخلك شعور عام بنعمه بلدك الكويت، حينها ندرك ان عباره «الكويت.. ديره ما مثلها ديره» ليست مجرد كلمات ترددها في المناسبات، بل حقيقه يجب ان نؤمن بها بكل جوارحنا ومشاعرنا. كم من دوله متقدمه تمتلك اقتصادا قويا، لكنها تفتقد سهوله الوصول الي الرعايه الصحيه، قد تنتظر اسابيع او شهورا لموعد طبيب، او تدفع مبالغ باهظه مقابل خدمه بسيطه، او تدخل في دوامه شركات التامين قبل ان تري الطبيب. في الكويت، ورغم كل ما يقال من انتقادات، وانا هنا اتحدث عن الجانب الصحي كـ«مثال»، فان الخدمات الصحيه شهدت خلال الفتره الاخيره تطورا واضحا في التنظيم، والتحول الرقمي، وسهوله المواعيد، وتوسع المستشفيات والمراكز التخصصيه، وينسحب ذلك علي جوانب اخري ايضا. وفي الكويت، الامن ليس خبرا يستحق النشر، لانه اصبح جزءا من الحياه اليوميه، نخرج ونعود ونحن نعتبر الطمانينه امرا طبيعيا، بينما هي حلم لملايين البشر حول العالم. وفي الكويت ايضا، لا يزال المجتمع يحتفظ بروابطه الانسانيه. الاسره قريبه، والاهل حاضرون، والجيران يعرف بعضهم بعضا تقريبا، والعلاقات الاجتماعيه لم تزل دافئه. حتي مستوي المعيشه، (ورغم ارتفاع الاسعار الذي نشكو منه)، يبقي في كثير من جوانبه اكثر رحمه من دول يدفع فيها الانسان معظم دخله للايجار، والتامين، والعلاج، والضرائب، والمواصلات، حتي لا يبقي من راتبه الا القليل.. وانا هنا اتكلم بالعموم. مشكلتنا في الكويت اننا اعتدنا النعمه، حتي اصبحت بالنسبه لنا امرا عاديا، لا نلتفت اليها الا عندما نفقدها، ولا نقارن الا عندما نعيش التجربه بانفسنا. ما سبق كله لا يعني ابدا ان الكويت بلا اخطاء ولا حاجه للاصلاح، فكل وطن يحتاج الي تطوير مستمر، وكل خدمه قابله لان تصبح افضل، لكن هناك فرقا كبيرا بين من ينتقد لانه يريد الاصلاح، ومن يتحدث وكان بلده لا يملك اي ميزه. الانصاف يقتضي ان نعترف بما تحقق، وان نشكر الله علي ما نملكه، وان نحافظ عليه، وان نطالب بتطويره لا بهدمه. الاوطان لا تقاس بالكمال، وانما بما توفره لابنائها من امن وكرامه واستقرار وفرص حياه كريمه. ولعل اجمل ما نتعلمه من السفر ليس فقط التعرف الي الاخرين، بل ان نعود وقد اكتشفنا وطننا من جديد. نعم.. بعد كل رحله طويله، يزداد اليقين بان هذه الارض الصغيره تحمل من النعم ما لا يدركه كثير من اهلها، وان شكر الله عليها واجب دائما. نعمه الوطن الامن، والرعايه، والاستقرار، وتماسك المجتمع، ليست امورا مضمونه، بل هي نعم عظيمه تستحق ان نحمد الله عليها صباحا ومساء، وان نحافظ عليها كما نحافظ علي اغلي ما نملك. اقبال الاحمد