«المهرج».. امتنان مونودرامي امام قوات التحالف

نواف الربيع - في البهو المدمر من فندق السلام، قرر مخرج برنامج «مسابقات رمضان» لعام 1991، الفنان عبدالعزيز الحداد، ان يكون ضيف الحلقه الاخيره من برنامجه، حيث حاورته الاعلاميه سلوي حسين. وعند ختام اللقاء، اتجه الحداد الي سيارته، ثم عاد حاملا زي مهرج، قناعا ومسجله صوتيه. كانت الكاميرا لا تزال تعمل، وسلوي حسين تقف امامها، بينما بدا الحداد - من دون ترتيب مسبق - يقدم مقطعا من عرضه الصامت «المهرج»؛ وهو العرض نفسه الذي قدمه خمس مرات امام جنود قوات التحالف التي شاركت في تحرير الكويت. في عام 1991، وبعد تحرير دوله الكويت مباشره، استضافت الاعلاميه سلوي حسين في برنامج «مسابقات رمضان» عددا من الفنانين في مواقع عده تضررت جراء الغزو العراقي، وكان الحداد - مخرج البرنامج - ضيف الحلقه الاخيره. تحدث عن مشاهداته في تلك الفتره، وعن افكاره ومشاريعه التي كان ينوي تنفيذها بعد الكارثه. وفي سياق الحديث، ذكر انه قدم عروضا تمثيليه صامته لقوات التحالف، فسالته الاعلاميه - وسط دهشه ظاهره - عن طبيعه هذا العمل. ولاده «المهرج».. عرض امام قوات التحالف روي الحداد انه اراد تقديم شيء لقوات التحالف تعبيرا عن الامتنان، ففكر في عرض تمثيلي قصير بعنوان «المهرج»؛ عرض صامت يلتزم بلغه انسانيه عالميه هي لغه الجسد والحركه، دون اي عنصر اخر قد يعيق التواصل. فلا ديكور، ولا اضاءه مسرحيه، ولا حتي كلمه واحده. وكل ما احتاج اليه لتنفيذ هذا العرض كان مسجله صوتيه تبث الموسيقي، وزي مهرج، وقناعا. يمكن قراءه اختيار الحداد للغه الصمت بوصفه قرارا يتجاوز البعد الجمالي الي بعد انساني وتواصلي؛ فقوات التحالف التي شاركت في تحرير الكويت كانت تضم جنودا من جنسيات متعدده ولغات مختلفه، وامام هذا التنوع اللغوي بدت الكلمه محدوده الاثر، بينما شكل الجسد، بايماءاته وتعبيراته، لغه انسانيه مشتركه لا تحتاج الي ترجمه او وسيط.. ومن هذا السياق، بدا العرض محاوله لبناء جسر تواصل بين شعب خرج للتو من محنته، وجنود قدموا من بقاع مختلفه ليشاركوه لحظه التحرير. كما يبدو ان اختيار شخصيه المهرج منسجما مع الحموله الرمزيه التي ارتبطت بهذه الشخصيه في التراث المسرحي؛ ذلك الوجه الضاحك الذي يخفي وراءه الما عميقا، ويكتسب في سياق الاحتلال والتحرير دلاله اكثر كثافه، اذ تحمل ابتسامته الخوف والوجع والهشاشه، بقدر ما تحمل من سعاده في لحظه الانتصار. ولعل ما يمنح هذه التجربه بعدا اضافيا انها لا تبدو منفصله عن مشروع الحداد المسرحي نفسه، حيث يلحظ المتابع لمسيرته ان «المهرج» يمثل امتدادا لاول اعمال الحداد في فن المونودراما وخاصه عرض «غربه مهرج»، الذي قدمه في مهرجان الكويت المسرحي الاول عام 1989، قبل عام واحد من كارثه الغزو. وهنا يبرز سؤال منهجي حول ماهيه العمل، اذا ما كان «المهرج» عرضا جديدا، ام اعاده صياغه لمونودراما «غربه مهرج» في سياق مختلف؟ ولعل الاجابه عن هذا السؤال تكشف كيفيه اشتغال الحداد علي شخصيه المهرج بوصفها اداه تعبير قابله لاعاده التاويل، يعود اليها كلما احتاج الي لغه تتجاوز حدود الكلام. الا ان الاجابه لا تؤكد سوي اننا امام حادثه فنيه مميزه، تكشف نموذجا نادرا لتوظيف المسرح بوصفه اداه للامتنان والتواصل الانساني في لحظه تاريخيه فارقه، بعيدا عن اي غرض تجاري او استعراضي. ولم يذكر الحداد هذه التجربه لاحقا ضمن ابرز محطات مسيرته، ولم تحظ بما تستحقه من اهتمام صحافي او نقدي. كما انني لم اعثر - حتي الان - علي اي صوره توثق تلك اللحظه، ولم يبق سوي شهاده الحداد الشفهيه في برنامجه التلفزيوني. ولعل كتابتي لتلك الحادثه واستعادتها محاوله لانقاذ صفحه صغيره من تاريخ المسرح الكويتي بعد التحرير؛ صفحه لم يبق منها سوي شهاده شفويه، لكنها تكشف كيف استطاع المسرح - حتي في اكثر اللحظات قسوه - ان يكون لغه امتنان، ووسيله تواصل، وذاكره لوطن كان يكتب انتصارا جديدا.