ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasالقبس الثقافي

«احداثيات زمن العزله».. الروايه التي هزمت النسيان

«احداثيات زمن العزله».. الروايه التي هزمت النسيان

كلما عاد الثاني من اغسطس، عاد معه سؤال قديم يتجدد: كيف يمكن لوطن ان يحفظ ذاكرته؟ فالتاريخ يحتفظ بالتواريخ والوثائق والقرارات، والصور تحفظ ملامح الامكنه، اما ما جري داخل البيوت، وما دار في النفوس، وما تبدل في العلاقات، وما احدثه الخوف في تفاصيل الايام، فتلك منطقه لا يبلغها الا الادب. لهذا بقيت بعض الروايات حاضره في الذاكره الكويتيه، كما لو انها جزء من الحدث نفسه. ومن بين هذه الاعمال، تظل سباعيه «احداثيات زمن العزله» للروائي الراحل اسماعيل فهد اسماعيل المشروع الروائي الاهم، الذي كتب الاحتلال العراقي للكويت من الداخل، ورافق الناس في ايامهم الثقيله، وسجل ما لا تستطيع الوثائق الرسميه ان تقوله. لم يتعامل اسماعيل فهد اسماعيل مع الغزو بوصفه واقعه سياسيه تستدعي موقفا او تعليقا، وانما اقترب منه باعتباره تجربه معيشه تغير ايقاع الحياه كله. ولذلك لم يكتف بروايه واحده، وانما شيد مشروعا سرديا امتد عبر سبعه اجزاء هي: «الشمس في برج الحوت»، و«الحياه وجه اخر»، و«قيد الاشياء»، و«دوائر الاستحاله»، و«ذاكره الحضور»، و«الابابيليون»، و«العصف». وقد بدت هذه الاجزاء، علي امتدادها، كانها روايه واحده تتسع مع الزمن، وتتابع تحولات الشخصيات، وتراقب المجتمع الكويتي، وهو يواجه واحده من اكثر لحظاته قسوه. ما يلفت النظر في هذه السباعيه انها لا تبحث عن البطوله بمعناها التقليدي، ولا تصنع شخصيات خارقه، وانما تمنح البطوله للناس العاديين، للام التي تحاول ان تحمي ابناءها، وللطبيب الذي يواصل عمله، وللشاب الذي يخاطر من اجل غيره، وللموظف الذي يتمسك بما بقي من انتظام الحياه، وللجيران الذين يتقاسمون الخوف كما يتقاسمون الامل. وهكذا يتحول المجتمع كله الي الشخصيه المركزيه في الروايه، وتصبح التفاصيل اليوميه ماده السرد الكبري، لان الاحتلال يبدا من تفاصيل الحياه قبل ان يظهر في خرائط السياسه. ولعل هذه القدره علي التقاط اليومي هي التي منحت «احداثيات زمن العزله» عمرا اطول من المناسبه التي كتبت عنها. فالروايه لا تستعجل اصدار الاحكام، ولا ترفع صوتها بالشعارات، وانما تترك الشخصيات تكشف ما اصابها، وتدع الوقائع تتشكل عبر السلوك والمواقف والانفعالات. ولهذا يخرج القارئ من الصفحات وهو يعرف ما جري، ويشعر ايضا بما جري، والفارق بين المعرفه والشعور هو المسافه التي ينجح الادب في عبورها. ومن هنا جاءت القيمه الحقيقيه لهذا المشروع. فهو لا يضيف الي التاريخ وقائع جديده، وانما يضيف اليه ما يغيب غالبا عن كتب التاريخ، اثر الوقائع في البشر. فالتاريخ يخبرنا متي وقع الاحتلال وكيف انتهي، بينما تكشف الروايه كيف عاش الناس تلك الايام، وكيف تبدلت اللغه داخل البيوت، وكيف صار الانتظار جزءا من الحياه، وكيف تغيرت العلاقات، وكيف اكتسبت الاشياء الصغيره معاني جديده تحت وطاه الخوف، وهذا ما يجعل الادب شاهدا مكملا للتاريخ، وحافظا لذاكره يصعب اختزالها في التواريخ والارقام. ورغم ضخامه الحدث الذي مثله الغزو العراقي للكويت، فان الروايه الكويتيه لم تنتج عددا كبيرا من الاعمال، التي جعلت الاحتلال موضوعها الرئيس بهذا الاتساع والعمق. لذلك احتلت «احداثيات زمن العزله» مكانه استثنائيه في المشهد الروائي الكويتي والعربي، لانها قدمت معالجه ممتده، وصبوره، ومتماسكه، تابعت الحدث في تشعباته النفسيه والاجتماعيه والثقافيه، وكتبت عن المجتمع وهو يعيد اكتشاف نفسه تحت اقسي الظروف. وقد نجح اسماعيل فهد اسماعيل في تحقيق توازن دقيق بين التوثيق والتخييل. فالروايه تستند الي واقع يعرفه الكويتيون جيدا، لكنها لا تتحول الي سجل يوميات او وثيقه تاريخيه، وانما تبقي وفيه لشروط الفن الروائي، حيث تتعدد الاصوات، وتتداخل المصائر، وتتسع الامكنه، وتصبح الكويت نفسها شخصيه نابضه بالحياه، تتالم مع اهلها، وتقاوم معهم، وتنتظر الخلاص معهم. بعد سته وثلاثين عاما، ما تزال هذه السباعيه تقرا بالحماسه نفسها، لان قيمتها لا ترتبط بذكري عابره او مناسبه وطنيه، انها عمل ادبي استطاع ان يحفظ جزءا من الذاكره الكويتيه من التاكل، وان يمنح الاجيال التي لم تعش تلك الايام فرصه للدخول اليها عبر الادب، لا بوصفها فصلا من كتاب التاريخ، وانما باعتبارها تجربه عاشها بشر حقيقيون، ترك الاحتلال اثره في حياتهم، وترك الادب اثره في ذاكرتهم. وربما كانت هذه هي المهمه الاعمق للروايه. فهي لا تنافس المؤرخ، ولا تحل محل الوثيقه، وانما تمنح الزمن قلبا يخفق بعد انقضاء الحدث، وتحفظ ما يتسرب عاده من الذاكره الجماعيه، حتي يبقي الوطن حاضرا في السرد، كما بقي حاضرا في الوجدان. لماذا تعد «احداثيات زمن العزله» علامه فارقه؟ لا تكمن اهميه «احداثيات زمن العزله» في انها اول عمل روائي كبير تناول الغزو العراقي للكويت، بل في انها نقلت الحدث من نطاق السياسه الي فضاء الانسان. فقد انشغل اسماعيل فهد اسماعيل بما تركه الاحتلال في النفوس اكثر من انشغاله بتسجيل الوقائع، فكتب عن الخوف، والعزله، والمقاومه، والذاكره، والانكسارات الصغيره التي لا تلتقطها كتب التاريخ. ولهذا اصبحت السباعيه مرجعا ادبيا لقراءه تلك المرحله، لا بوصفها حدثا عسكريا، بل تجربه انسانيه كامله. لماذا لا تزال تقرا بعد اكثر من ثلاثه عقود؟ لانها لم تكتب لتكون روايه عن حرب انتهت، بل عن ذاكره لا تنتهي. فالاحتلال في «احداثيات زمن العزله» ليس مجرد تاريخ مضي، بل هو سؤال دائم عن معني الوطن، وعن قدره الانسان علي التشبث بالحياه حين يبدو كل شيء مهددا بالزوال. ولهذا تجاوزت السباعيه مناسبتها التاريخيه، واصبحت واحده من اهم الشهادات الادبيه علي واحده من اكثر المحطات ايلاما في التاريخ الكويتي. ما الذي يميز السباعيه فنيا؟ تعدد الاصوات والشخصيات بدل الاعتماد علي بطل واحد. المزج بين التوثيق والخيال دون الوقوع في المباشره. بناء مكاني يجعل الكويت نفسها احدي شخصيات الروايه. اهتمام بالتفاصيل اليوميه بوصفها جزءا من مقاومه الاحتلال. لغه هادئه بعيده عن الشعارات، تترك الحدث يتجلي من خلال الانسان.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓