«مرئيون».. قصص عمانيه تقدم الانسان بوصفه مركز الحكايه

تندرج قصص الكاتبه العمانيه فايزه بنت سعيد الهيمليه في مجموعتها «مرئيون»، ضمن الادب الانساني الذي يمزج بين السرد الادبي والرؤيه التوثيقيه. تستحضر القصص اجواء النزاعات -كما في الحرب علي غزه- وما تخلفه من اسئله نفسيه وشعوريه لدي الافراد. وهي تعتمد علي لغه هادئه ومكثفه، وبناء قصصي قائم علي الايحاء والتفاصيل الحسيه، حيث تتحول الاشياء الصغيره، مثل باب بيت، وقطعه الخبز، وصوت الطفل، الي رموز تختصر معني الفقد والاقتلاع والبحث عن الامان. تسلط المجموعه الضوء علي اثر الصراعات في حياه البشر، منشغله بالتفاصيل الصغيره التي ترافق ذلك، مثل الخوف، والانتظار، والحنين، ومحاوله التمسك بالحياه رغم كل شيء. وتصطحب القارئ في رحله داخل عوالم شخصيات متعدده تواجه النزوح والفقد والغياب، ليس من خلال الاحداث الكبري فقط، بل عبر اللحظات اليوميه البسيطه التي تكشف هشاشه الانسان وقوته في الوقت نفسه. تبدا المجموعه بقصص تتنقل بين شخصيات مختلفه تعيش اثار الحرب بطرق متباينه، من طبيب يحاول انقاذ الجرحي في ظروف مستحيله، الي ام تنتظر العوده، وطفل لا يعرف الي اين يذهب، وشخصيات اخري تحمل في دواخلها شعورا دائما بالاقتلاع والغياب. كما تتناول النصوص فكره الذاكره الجماعيه، وكيف تبقي الاماكن والتفاصيل الصغيره حاضره في وجدان الانسان حتي بعد مرور سنوات طويله علي الفقد. وتعتمد قصص المجموعه التي زينت غلافها لوحه للفنان خميس درويش البلوشي، علي بناء نفسي هادئ يناي عن الخطابه المباشره، ويركز علي المشاهد الانسانيه العابره التي تترك اثرا عاطفيا عميقا. وتوظف الكاتبه الحوار الداخلي والوصف المختصر لابراز المشاعر المرتبطه بالخوف والانتظار والعجز، في محاوله لتقديم صوره انسانيه للحرب بعيدا عن الارقام والاحصاءات. نقرا في قصه «يدا عهد»: «فكر في يديها وهي طفله، وفي الجدران التي رسمت عليها، وفي العجين، وفي كل الاشياء التي تصنعها الايدي ولا نلتفت اليها الا حين تغيب. لم يبك. ليس لانه لا يريد، بل لان الدموع ايضا تحتاج طاقه، وهو لم يعد يملك منها شيئا». وفي قصه «الاطفال الصغار» نقرا: «اصواتهم كانت اشبه بانفاس، خفيفه وهشه كاجسادهم. هذه الاصوات التي كانت تملا الغرفه، والتي لم تعد موجوده. يسمعها الان في الصمت». وفي قصه «العوده الي حيفا»: «ثلاثه اجيال والباب الازرق لا يزال بعيدا». وفي قصه «خبز لاثني عشر»: «تلك النظره التي اطلقها حين خرج ابراهيم لا تزال هناك، معلقه في الهواء، لم ياخذها احد». وفي قصه «قبل ان يقول امين» نقرا: «علي المنبر قال اخيرا: اليوم لا املك خطبه (لم يتحرك احد في القاعه).. املك فقط ما يملكه كل واحد منكم، قلبا مكسورا، ودعاء لا يجد كلمات». وفي قصه «حاضر»: «يتصل بها ليطمئن انها لا تزال هناك». وفي قصه «حياه»: «ثانيه واحده لم يصدر عنه صوت. ثانيه امتدت كدهر. النساء حبسن انفاسهن. ام خالد اغمضت عينيها. ثم صرخ. وفي الخارج -في تلك اللحظه بالذات- صمت القصف. لا احد يعرف لماذا. لا احد سال». تحاول الكاتبه، عبر هذه النماذج السرديه وسواها، اعاده تقديم الانسان بوصفه مركز الحكايه، لا مجرد رقم في الاخبار او الاحصاءات، مستكشفه اثر الحرب في الذاكرتين الفرديه والجماعيه، وفي التفاصيل الصغيره التي تبقي عالقه في حياه الناس حتي بعد انتهاء الاحداث.