ارجوك توقف عن ازعاجي

هي سنه البشر: في مرحله ما من العمر، تصبح الوحده قريبه الي النفس ومالوفه، لكن يجب الانتباه الي ان الوحده تختلف تماما عن العزله، فالعزله ان ينسحب الانسان من الناس، ومن كل ما يحيط به من احداث، اما الوحده فهي ان يعيش المرء اللحظه بخصوصيته الكامله، وسط الناس، وفي اي مكان. ربما بسبب العمر، او بسبب ما مررت به من تجارب، او بسبب العالم الصاخب المتحارب من حولنا، وجدت نفسي في السنوات الاخيره استشعر لذه وحده لم تخطر لي علي بال من قبل، لذه ان اكون في زاويه تعرفني، تحتضن جسدي وانفاسي وهدوء خاطري، ولقد ارتبطت وحدتي بالقراءه والكتابه، ترافقني في الخلفيه موسيقي هادئه للدراسه والتامل. من الاشياء التي تعلمتها من عيش وحدتي، الا اتطفل علي وحده الاخرين، ولا اثقل بوجودي علي من احب، فالميزان الحقيقي ان تكون خفيفا في حضورك، خفيفا في حوارك، خفيفا حتي في مغادرتك، وصرت شديد الحساسيه تجاه من يقتحم علي لحظتي بشؤونه الخاصه، وتحديدا عبر رسائل واتس اب. انا اتفهم تماما ان اللحظه الانسانيه الراهنه باتت مرتبطه بشبكات التواصل، وان الانسان في كل مكان صار يستشعر وجوده من خلال اتصاله بالاخرين، ومن خلال انكشاف تفاصيل يومه علي مائدتهم، لكني اقف كثيرا عند حدودي، مدركا انه لا يصح لي ان اقتحم وقت الاخر ومزاجه، وان ارسل اليه اخباري وما يحلو لي في اي وقت اشاء. كثيرون صاروا يقتحمون علينا عالمنا الهادئ باخبارهم وصورهم وكتاباتهم، دون استئذان، ودون اي اعتبار لطبيعه لحظتنا، صباحا كانت ام مساء. لكل انسان، بالطبع، كامل الحريه في ان يكتب ما يشاء، وان ينشره في اي جريده او مجله او منصه، وان يعتز بفكره ايما اعتزاز. لكن عليه ايضا ان يقف امام نفسه، وان يعرف حدوده، والا يزعج راحه الاخرين، ولا يثقل عليهم برسائله ومقالاته. حين كنت احضر درجه الماجستير لماده الكتابه الابداعيه في جامعه «كنغستون» بلندن، اشرفت علي رسالتي الكاتبه والاكاديميه العالميه ايفا هوفمان - Eva Hoffman، التي تدرس الكتابه الابداعيه في جامعه كولومبيا، وكانت جد دقيقه في التعامل مع الوقت ومع تواصل الاخر، فقد كنا نناقش فصول الرساله بمكالمه مباشره، وحين ننتهي، كانت تقول بنبره حاسمه: «ارسل ما اتفقنا عليه بالايميل»، ولم تكن ترد علي الرسائل الا في وقت محدد، وبعبارات مقتضبه، استوقفني حينها هذا الانضباط الصارم في تعاملها مع الاخر والوقت واللغه علي السواء، وكان لسان حالها يقول: اتواصل مع الاخر بطريقتي، وقت اريد، وهذا يكفيني. للاسف، اساء البعض استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، فصاروا يقتحمون وقت الاخرين وراحتهم، ناشرين نشاط حياتهم الخاصه في اي لحظه تحلو لهم، غير ابهين بمن يستقبل تلك الرسائل ولا بظرفه. وكم يستوقفني ان يرسل الي احدهم رساله، ثم اخري، ثم عاشره، دون ان ارد بحرف واحد، ليستمر هو في الارسال، وكان صمتي لا يعني شيئا له. انا افهم تماما: حين تسلم علي احد فيتجاهل سلامك، فتلك رساله، واضحه تمام الوضوح. ارجوك، توقف عن ازعاجي. طالب الرفاعي