امن الخليج.. بين الصمود وضروره الردع

نجاحات الدفاعات الخليجيه في حمايه الاوطان تستحق الاشاده، لكن ترسيخ الامن والاستقرار يتطلب ايضا موقفا خليجيا موحدا، يعزز الردع، ويمنع تكرار الاعتداءات علي المنشات المدنيه والحيويه. في اوقات الازمات، لا تقاس قوه الدول فقط بما تمتلكه من امكانات عسكريه، وانما ايضا بقدرتها علي توحيد مواقفها، وسرعه اتخاذ القرار، وتحويل التحديات الي فرصه لتعزيز التضامن. وما تشهده المنطقه اليوم يفرض علي دول مجلس التعاون الخليجي قراءه جديده لمفهوم الامن الجماعي، في ظل تصاعد التهديدات، التي طالت منشات مدنيه وحيويه، تمثل شريان الحياه للمواطنين. ان استهداف محطات الكهرباء، ومحطات تحليه المياه، والمرافق المدنيه الحيويه، يمثل تطورا بالغ الخطوره، لان اثره لا يقتصر علي تعطيل الخدمات، بل يمتد الي تهديد حياه المدنيين، وارباك الاقتصاد، واضعاف الشعور بالامن والاستقرار. ومن هنا، فان حمايه هذه المنشات لم تعد مسؤوليه الدوله المستهدفه وحدها، بل اصبحت مسؤوليه خليجيه مشتركه، انطلاقا من ان امن دول مجلس التعاون كل لا يتجزا، وان اي تهديد يمس دوله عضو ينعكس علي امن واستقرار بقيه الدول. ان الاعتداءات المتكرره علي المنشات المدنيه والحيويه لم تقابل، حتي الان، باجراءات خليجيه اكثر حزما تتناسب مع خطوره هذه التطورات. فبيانات الادانه والتنديد، مهما كانت اهميتها السياسيه، لا تكفي وحدها لبناء معادله ردع تمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات. ولا يعني ذلك الدعوه الي التصعيد، وانما الي تبني سياسه خليجيه اكثر فاعليه، تقوم علي تعزيز التنسيق السياسي والدبلوماسي والامني، وتسريع استكمال منظومات الدفاع الجوي والصاروخي المشتركه، ورفع مستوي حمايه المنشات الحيويه، وتكثيف التعاون الاستخباراتي، وتطوير خطط الطوارئ، بما يضمن استمراريه الخدمات الاساسيه في مختلف الظروف، كما ان التحرك المنظم في المحافل الاقليميه والدوليه يظل احدي الادوات المهمه لترسيخ احترام القانون الدولي وحمايه المدنيين والبنيه التحتيه المدنيه. كما تستوجب المرحله الراهنه مراجعه شامله لاليات العمل الخليجي المشترك، بحيث تكون الاستجابه للتحديات اكثر سرعه وفاعليه، وتصبح حمايه امن الطاقه والمياه والاتصالات اولويه استراتيجيه لا تقل اهميه عن حمايه الحدود. فطبيعه التهديدات الحديثه تتطلب ادوات حديثه، وتنسيقا دائما، ورؤيه موحده تتجاوز ردود الفعل الانيه. ورغم جسامه هذه التحديات، فان من الواجب الاشاده بما اظهرته دول مجلس التعاون من صمود وتماسك وجاهزيه عاليه، حيث نجحت منظوماتها الدفاعيه، بفضل كفاءه منتسبيها والتنسيق المشترك، في اعتراض وتدمير معظم الصواريخ والطائرات المسيره التي استهدفت اراضيها، وهو ما اسهم في الحد من الخسائر وحمايه الارواح والمنشات. وقد اثبتت هذه الاحداث ان الاستثمار في تطوير القدرات الدفاعيه الخليجيه كان خيارا استراتيجيا مهما، وان دول المجلس تمتلك الاراده والامكانات للدفاع عن امنها وسيادتها في مواجهه مختلف التحديات. غير ان النجاح في التصدي للهجمات، علي اهميته، ينبغي الا يكون بديلا عن العمل علي منع تكرارها. فالردع الحقيقي لا يتحقق فقط باسقاط الصواريخ والمسيرات في السماء، بل ايضا ببناء موقف سياسي وامني موحد، يجعل اي اعتداء علي دوله خليجيه اعتداء علي المنظومه الخليجيه باكملها، ويؤكد ان امن كل دوله عضو مسؤوليه مشتركه لا تقبل التجزئه. ان المرحله الراهنه تمثل اختبارا حقيقيا لقدره مجلس التعاون علي ترجمه مبادئه الي مواقف عمليه، تعزز امن المنطقه واستقرارها. واليوم، تبدو الحاجه اكثر الحاحا من اي وقت مضي الي رؤيه خليجيه موحده، تجمع بين قوه الردع العسكري، وفاعليه التحرك السياسي والدبلوماسي، وحمايه المصالح الاستراتيجيه المشتركه، بما يضمن امن الاجيال القادمه واستقرار المنطقه. ان امن الاوطان لا يصان بالتمنيات، وانما بوحده القرار، وسرعه التحرك، وادراك ان امن اي دوله خليجيه هو امن لجميع دول المجلس، فكلما تعززت وحده الصف الخليجي، ازدادت قدره دوله علي حمايه شعوبها وصون استقرارها، وترسيخ معادله ردع تجعل الاعتداء علي اي جزء من الخليج اعتداء علي الخليج كله. وليد ابراهيم الخبيزي