ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. محمد الوهيب

تقرير سري من قلب النظام الايراني: اعترافات لا تقال في العلن

تقرير سري من قلب النظام الايراني: اعترافات لا تقال في العلن

ليست التقارير التي تكتب خلف الابواب المغلقه، كالتصريحات التي تلقي امام الكاميرات. ففي حين تصاغ الخطابات الرسميه لاقناع الراي العام، تكتب التقارير السريه عاده لتشخيص الواقع كما هو، بعيدا عن الاعتبارات الدعائيه. ومن هذا المنطلق، تكتسب الوثيقه، التي سربها اخيرا موقع IranWire، اهميه استثنائيه، لانها لا تمثل رايا للمعارضه او دراسه لمركز ابحاث مستقل، بل هي تقرير اعده مستشار الرئيس الايراني للشؤون الاجتماعيه، علي ربيعي، وهو مسؤول شغل سابقا مناصب امنيه وسياسيه رفيعه، بينها وزاره العمل والمتحدث باسم الحكومه، فضلا عن خلفيته في وزاره الاستخبارات. تكمن اهميه التقرير في انه يكشف ما يقوله النظام لنفسه، عندما يغيب الجمهور. والارقام التي يتضمنها ترسم صوره مختلفه جذريا عن تلك، التي تقدمها الروايه الرسميه بشان تماسك المجتمع الايراني والتفافه حول السلطه. فبحسب نتائج الاستطلاع، الذي يستند اليه التقرير، فان نحو %90 من الايرانيين يرغبون في تغيير اوضاع البلاد، مقابل نحو %9 فقط يؤيدون استمرار الوضع القائم. ولا يقف الامر عند حدود التذمر السياسي، بل يتجاوز ذلك الي توصيف المجتمع الايراني، باعتباره من اكثر مجتمعات العالم غضبا، بمستوي يفوق، وفق التقرير، مجتمعات عاشت سنوات طويله من الحروب الاهليه، مثل افغانستان وتشاد. كما يرصد التقرير تدهورا واسعا في الحاله النفسيه للمجتمع، حيث تنتشر مشاعر الياس والاكتئاب والخوف، خصوصا بين الشباب والمتعلمين، وهي الفئات التي يفترض ان تمثل ركيزه المستقبل لاي دوله. ويكشف التقرير كذلك عن تحول مهم في وعي الايرانيين، اذ يميز كثير منهم بين الوطن والنظام السياسي. فالرغبه في الدفاع عن ايران، اذا تعرضت لعدوان خارجي، لا تعني بالضروره الدفاع عن السلطه الحاكمه. ويعكس هذا التمييز صعودا واضحا للهويه الوطنيه، مقابل تراجع الالتزام بالايديولوجيا الدينيه، وهو تحول تؤكده مؤشرات اجتماعيه عده، من بينها الانخفاض الكبير في نسب الملتزمين بالشعائر الدينيه بين الاجيال الشابه، مقارنه بما كانت عليه قبل عقود. ولا تقل ظاهره هجره العقول خطوره عن المؤشرات السابقه. فالتقرير يشير الي ان نحو نصف الشباب المتعلم وخريجي الجامعات يتطلعون الي مغادره البلاد، وهو مؤشر لا يعكس ازمه اقتصاديه فحسب، بل يعبر ايضا عن تراجع الثقه في المستقبل، واحساس متزايد بانسداد الافق. لكن المفارقه الابرز لا تكمن في تشخيص الازمه، بل في الطريقه التي يقترح بها التقرير التعامل معها. فعلي الرغم من اعترافه باتساع رقعه السخط الشعبي، فانه لا يدعو الي اصلاحات سياسيه او مراجعه للسياسات العامه، بل يوصي بتحسين الخطاب الاعلامي، وتعزيز الروايه، التي تحمل العقوبات الخارجيه مسؤوليه الازمه، والاستمرار في تقديم الدعم الحكومي، مع تجنب الاحتكاك المباشر بالمجتمع. وبعباره اخري، فان التقرير يقترح اداره الغضب لا معالجه اسبابه. ويذهب عالم الاجتماع الايراني سعيد بيفاندي الي ابعد من ذلك، اذ يري ان النتائج الوارده في التقرير قد تكون اقل من الواقع، لان المشاركين في الاستطلاعات الحكوميه غالبا ما يترددون في التعبير الكامل عن ارائهم خشيه العواقب الامنيه. لا يمكن الجزم بما ستؤول اليه الاوضاع في ايران خلال السنوات المقبله، لكن دروس التاريخ تشير الي ان التحولات الكبري لا تبدا عاده بحدث واحد، بل بتراكم ازمات اقتصاديه واجتماعيه وسياسيه، تفقد معها الدوله تدريجيا قدرتها علي انتاج الشرعيه والثقه. وعندما يضعف الاقتصاد، وتتاكل الثقه الشعبيه، وتهاجر الكفاءات، وتفقد الايديولوجيا قدرتها علي الاقناع، فان النظام يدخل مرحله يصبح فيها المستقبل مفتوحا علي احتمالات متعدده. ولعل القيمه الحقيقيه لهذا التقرير لا تكمن في كونه وثيقه مسربه فحسب، بل في انه يمثل اعترافا داخليا نادرا بحجم الازمه، التي تواجهها ايران. اما كيفيه التعامل مع هذه الازمه، وما اذا كانت ستدار ام ستعالج، فسيظل السؤال الاهم، الذي ستجيب عنه السنوات المقبله. د. محمد الوهيب

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓