«إذا ما قدرنا نعزّيه لا نأذيه»
كأن أهل الميت لم يكن ينقصهم، في أول أيام العزاء، إلا أن يعتذروا لجارهم عن ازدحام المعزّين. كان نسيبي يُبعد سيارات بيته ليُفسح المكان لجموع المعزّين، لقرب بيته من بيت جاره المكلوم؛ فإذا بجارٍ عُرف بأذاه يتضايق من الزحام، ويضيف إلى ضيق الفقد ضيقًا جديدًا. عندها قال له نسيبي جملةً أدّت من واجب العزاء ما لم يؤدِّه حضورٌ كامل: «إذا ما قدرنا نعزّيه، لا نأذيه». لا تختصر هذه الجملة موقفًا عابرًا؛ بل تصحح مفهومًا اجتماعيًا: فالتعزية ليست إثبات حضور، وإنما تخفيف عبء. وقد يأتي الإنسان ليواسي، ثم يترك خلفه عبئًا آخر: موقفًا يُشعل خصومة، أو اتصالًا يطالب بالتفاصيل، أو زيارة تنتظر الضيافة، أو سؤالًا يوقظ جرحًا لا يريد صاحبه شرحه. وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جارَه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفَه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». وحين جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد أتاهم ما يشغلهم»، وهو حديث صحيح رواه الترمذي وابن ماجه. لم يطلب من أهل المصيبة أن يخدموا القادمين؛ بل نقل الخدمة إليهم. وهنا يظهر الفرق بين تضامن يرفع عن المكلوم شيئًا، وحضور يستهلك ما بقي من طاقته. ويؤصل القرآن هذا الميزان بقوله تعالى: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى». وفسر الطبري القول المعروف بالكلام الجميل، والمغفرة بالستر والتجاوز؛ فالمنفعة التي تجر وراءها أذى تخسر تفوقها الأخلاقي، مهما حسنت نية صاحبها. وما قررته الشريعة أدبًا تفسره النفس معرفيًا؛ فقد أشارت دراسة لوارد وماثياس وهتشنغز، منشورة في مجلة Gerontology، إلى أن الحزن لدى كبار السن قد يصاحبه تراجع في الانتباه وسرعة معالجة المعلومات والطلاقة اللفظية. كما وجدت مراجعة منهجية نشرتها BMC Psychiatry عام 2020 ارتباطًا بين الدعم الاجتماعي بعد الفقد المفاجئ أو العنيف وانخفاض شدة أعراض الاكتئاب والصدمة. لذلك لا تكفي سلامة النية؛ بل يلزمها سلامة الأثر. وللتعزية «مؤشر عبء»: لا يسأل كم شخصًا حضر، بل كم عبئًا أزال الحاضرون. قد تكون المواساة وجبة تصل بلا طلب، أو موقفًا نتنازل عنه، أو زيارة خفيفة، أو صمتًا يحمي المكلوم من فضول الأسئلة. فليس كل من دخل بيت العزاء قد عزّى؛ وأحيانًا تبدأ التعزية الحقيقية قبل الباب، حين نقرر ألا نضيف إلى الفقد أذًى.
نقاش حول الآداب الصحيحة للتعزية