ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم وائل يوسف المطوع

نشر ثقافة دعيج الخليفة

بعض الأشخاص يرحلون عن الدنيا، لكنهم يتركون في قلوبنا ما يجعل غيابهم حاضراً، وكأنهم لم يرحلوا. ومن هؤلاء الأخ والصديق الغالي الشيخ دعيج خليفة العبدالله الخليفة الصباح، رحمه الله، الذي كلما استعدنا ذكراه شعرنا وكأن رحيله حدث بالأمس. ومع مرور خمس سنوات على وفاته، لا أريد أن أكتب عن دعيج الشاعر والدبلوماسي والكاتب فحسب، بل عن الإنسان الذي عرفناه، وعن أخلاقه التي تستحق أن تتحول إلى ثقافة نعيشها وننقلها إلى الأجيال. ومن هنا جاء عنوان هذه الدريشة: «نشر ثقافة دعيج الخليفة». شاءت الأقدار أن يكون المخيم السنوي السادس لثانوية كيفان للمقررات، الذي ينظمه ويتحمل تكاليفه الأخوان الغاليان عصام الرفاعي وهيثم العثمان، بمشاركة كوكبة من الزملاء، شاهداً على آخر لقاء جمعنا بدعيج، رحمه الله. قبيل مغادرته المخيم، وقف عند الخيمة ووضع كتفه على كتف الأخ والزميل طلال الحيدر، ثم التفت إليّ قائلاً: «هذا الحبيب الغالي طلال، هل تعلم شنو كنا بالغزو؟». أجبته: «لا والله، ما أدري». فضحك وقال: «كنا شهداء!». فقلت له مستغرباً: «شيخ، شلون شهيد، ولي الحين عايشين؟». فردّ عليّ بكلمات لا أنساها: «أنا شيخ، لكن أنا أخوكم اللي ما يستغني عنكم، نادني مثل ما كنت تناديني بالثانوية: دعيج»، ثم قال متمنياً: «ويا رب تستمر جمعتنا هذي». لم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل درساً في التواضع والأخوّة. لم يسمح للقب أن يصنع مسافة بينه وبين أصدقائه، بل أكد أن ما يجمعنا أكبر من الألقاب والمناصب؛ إنها المحبة وذكريات العمر. وكان في موقفه انعكاس لتربيته الكريمة، وللقيم التي نعتز بها في أسرتنا الحاكمة، وما يجمعها بأهل الكويت من قرب ووفاء وروابط راسخة. لم نكن نعلم أن تلك الضحكة ستكون من آخر ذكرياتنا معه، وأن أمنيته باستمرار جمعتنا ستتحول إلى أمنية نرددها نحن بعد رحيله. وكان دعيج، رحمه الله، حريصاً كل سنة على حضور مخيمنا، وما كان ييينا من غير كيكة، يحرص أن يكون لها تصميم يديد كل مرة، وكأنه يبي يترك لنا ذكرى حلوة تتجدد مع كل مخيم. وفي المخيم السابع، وبعد رحيله، فاجأتنا شقيقته الكريمة بإحضار كيكة على شكل خيمة، وفاءً لأخيها ومحبةً لزملائه، وكأنها تواصل تقليداً جميلاً كان دعيج حريصاً عليه. كانت كيكة، لكنها حملت معنى أكبر من حجمها؛ خيمة تجمعنا، مثل ما تجمع خيمة كيفان أهل الكويت على قلب واحد، بكل أطيافهم. وفي المخيم نفسه، تم تكريم دعيج، وأكد أخونا الغالي عصام الرفاعي أن تكريمه سيستمر في المخيمات المقبلة، حتى تبقى ذكراه حاضرة بيننا. هكذا يكون الوفاء؛ محبة لا تنتهي برحيل أصحابها. أما دعيج الشاعر، فقد اختار لنفسه وصفاً يلخص شيئاً من روحه، حين قال في قصيدته «لاجئ عاطفي»: «أنا لاجئ عاطفي، وفي قلوب الناس ألقي راحتي». واليوم، تبدو هذه الكلمات وكأنها تختصر حياته؛ فقد كان يجد راحته في محبة الناس، ويمنحهم من عاطفته وطيبته ما يجعلهم يشعرون بقربه. وكان رحيل سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، أمير القلوب، من أشد الأحداث التي آلمت دعيج وأثرت في نفسه، وترك فيه حزناً عميقاً عكس وفاءه ومكانة الأمير في وجدان أبناء الكويت. خدم دعيج وطنه دبلوماسياً، وأسهم في المشهد الثقافي والفني من خلال قصائده وكلماته الغنائية وأعماله المرتبطة بالمسرح والتلفزيون. لكنه ترك في قلوب محبيه ما يتجاوز الإنجازات؛ ابتسامته، وتواضعه، ولسانه العذب، وحرصه على مشاركة الناس أفراحهم. كان، رحمه الله، إذا طلب منه أحد رعاية حفل أو المشاركة في تكريم، لا يردّه متى استطاع تلبية طلبه. يمنح الناس من وقته واهتمامه، ويحرص على الوقوف إلى جانبهم. أقسم بالله إن طيبة قلبه وحدها تستحق أن تُدرّس؛ فقد كان يسعد بإسعاد الآخرين، من دون انتظار مقابل أو ثناء. لكن أكثر ما يستحق أن نتعلمه من دعيج هو تسامحه مع من أساؤوا إليه. فقد تعرض لانتقادات وإساءات، ومع ذلك لم يكن ممن يسارعون إلى تحويل كل خلاف إلى قضية. وحين سألته عن سبب عدم مقاضاة من أساؤوا إليه، أجابني بكلمات تختصر فلسفته في الحياة: «أرفع قضية على أهلي؟ كل أهل الكويت أهلي». كان يرى أهل الكويت أهله حتى حين يختلف معهم. ولم يكن ذلك ضعفاً أو تخلياً عن الكرامة، بل تعبيراً عن سعة صدره وإيمانه بأن التسامح قد يحفظ ما تعجز عنه الخصومات. واليوم، ونحن نشهد اتساع الخلافات عبر منصات التواصل الاجتماعي، وما يصاحب بعضها من تجريح وتشهير وفجور في الخصومة، نحن أحوج ما نكون إلى هذه الثقافة. لا تتعمدوا جرح أحد، ولا تنتقصوا من قدر إنسان، ولا تتعالوا على الآخرين؛ فقد تبقى كلمة قاسية في قلب صاحبها سنوات، حتى لو نسيها من قالها بعد دقائق. ليس كل من صمت عن الإساءة لم يتألم، وليس كل من تغافل عنها لم يشعر بها؛ فقد يكون الصمت أرقى من الخصومة، والتغافل أسمى من الرد. فلنتعلم أن نختلف من دون إهانة، وأن نعاتب من دون تجريح، وأن نجعل ألسنتنا عامرة بالكلمات الطيبة؛ فكم من كلمة جبرت خاطراً، وكم من كلمة قاسية تركت جرحاً لا يراه أحد. رحمك الله يا دعيج، خمس سنوات مرّت، وما زال رحيلك يعور القلب وكأنه حدث بالأمس. لم تكن خسارتنا برحيل شاعر أو دبلوماسي أو كاتب فحسب، بل برحيل إنسان كان يمنح الآخرين المحبة، ويستجيب لطلباتهم متى استطاع، ويعاملهم بتواضع لا تصنعه الألقاب ولا تغيّره المكانة. لا أريد أن أكتفي برثائك، بل أتمنى أن يكون في رحيلك درس لنا جميعاً: أن نكون رحماء قبل أن يصبح الرحيل موعدنا، وأن نقول الكلام الجميل في وجوه أصحابه، لا أن نؤجله حتى يتحول إلى رثاء. أن نعتذر حين نخطئ، ونسامح حين نستطيع، ونحفظ للناس كرامتهم؛ لأننا لا نعرف متى تكون آخر مرة نراهم فيها. يا دعيج، ليتنا نعرف قيمة اللحظات قبل أن تصبح ذكريات، ونقول لمن نحبهم ما في قلوبنا قبل أن يصبح الكلام موجهاً إلى صورهم. رحمك الله يا أبا خليفة، وغفر لك وأسكنك فسيح جناته. ستبقى أخاً وصديقاً غالياً، وستبقى ذكراك توجعنا بقدر ما أسعدتنا صحبتك. قد يرحل الإنسان عن أعيننا، لكن أثره يبقى في مواقفه، وفي الكلمات التي تركها، وفي القلوب التي احتضنته. سلام على ضحكتك التي نفتقدها، وعلى قلبك الذي وسع الجميع، وعلى لسانك الذي اعتاد الكلمة الطيبة، وعلى روحك التي كانت تبحث عن راحتها في قلوب الناس. نم قرير العين يا دعيج؛ فما زال بيننا من يذكرك بالخير، ومن يشتاق إليك بصدق. وستظل خيمة كيفان، وكيكتها، ولقاؤنا الأخير شواهد على محبة لا تنتهي برحيل أصحابها. رحمك الله رحمةً تطمئن بها روحك، وجمعنا بك في الفردوس الأعلى، ورحم الله جميع أصدقاء الأمس الذين فقدناهم من خريجي ثانوية كيفان للمقررات؛ جمعتنا بهم مقاعد الدراسة وذكريات الشباب، ولم يبقَ لنا منهم اليوم إلا الدعاء والذكريات.

ملخّص قياس

نشر ثقافة دعيج الخليفة

أشخاص:عصام الرفاعي
آخر الأخبار المصدر الأصليّ أهم أخبار الكويت اليوم
تم نسخ الرابط ✓