ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم جمال الحمود

القرار وما وراءه

في رحلتي المهنية، وجدت أن كثيراً من التحديات الكبرى تبدأ بقرار، بعضها صائب يفتح أبواب النجاح، وبعضها خاطئ يترك آثاراً يصعب تداركها. فالتحدي لا يكمن في اتخاذ القرار فحسب، بل في تقدير ما قد يترتب عليه من نتائج، وما قد يمتد إليه أثره في المستقبل. ولتقريب الصورة، دعوني أبدأ بقصة مدير في إحدى المؤسسات، واجه موقفاً يتطلب قراراً سريعاً، فكان أمام خيارين، إما أن يختار ما يبدو أسهل في اللحظة الراهنة، وإما أن يتوقف قليلاً ليتأمل ما قد يترتب على قراره غداً. فاختار الطريق الأسرع، وبعد أشهر اكتشف أن أثر قراره لم يتوقف عند نتيجة واحدة، بل امتد إلى فريق العمل، واستنزاف الموارد، وتراجع الثقة بالمؤسسة، عندها أدرك أن بعض القرارات لا تُقاس بالنتائج الفورية، بل بما تخلّفه من آثار بعيدة المدى، فالقرار قد يُتخذ في لحظة، لكن تبعاته قد تمتد لسنوات. ومن هنا، تبدأ أهمية القرار في أن نعرف ماذا نقرر، ولماذا نقرر، وأن نُحسن تقدير ما قد يترتب على قراراتنا قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تغييره. مهنياً، القرار هو اختيار مدروس بين بدائل متاحة لتحقيق هدف محدد، بعد تحليل المعلومات والخيارات والنتائج المحتملة. ولا يُصنع القرار المهني السليم بالعاطفة أو الانطباع، وإنما بمنهج يبدأ بتحديد المشكلة والهدف، ثم جمع المعلومات وتحليل البدائل وتقييم المنافع والمخاطر، وصولاً إلى اختيار البديل الأنسب وتنفيذه وقياس نتائجه. نأخذ نفساً عميقاً قبل أن نتخذ أي قرار، نحتاج إلى أن نعرف الحقيقة كما هي، لا كما نرغب أن تكون، وأن نميّز بين المعلومة والرأي والانطباع. نحتاج إلى تحديد الهدف بوضوح، ومعرفة ما الذي سنكسبه إذا نجح القرار، وما الذي قد نخسره إذا أخطأنا. ونحتاج أيضاً إلى النظر في البدائل، وألا نتعامل مع الخيار الأول وكأنه الخيار الوحيد. ولا يُقاس القرار السليم بسرعة اتخاذه أو سهولة تنفيذه فحسب، بل بقدرته على تحقيق الهدف بأقل قدر ممكن من الضرر، فالقرار الصحيح هو الذي تتوازن فيه المنافع والمخاطر، وتكون آثاره مفهومة، وتبعاته مقبولة، مع الاستعداد لمعالجة ما قد يظهر من نتائج غير متوقعة. والأهم أن نسأل أنفسنا قبل اتخاذ القرار، هل أملك المعلومات الكافية؟ وهل درست أثره على من سيتأثرون به؟ وهل أستطيع تحمّل مسؤولية نتائجه؟ فعندما تكون الإجابات واضحة، يصبح القرار أقرب إلى الحكمة منه إلى مجرد الاختيار.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓