ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharالاخيرة بقلم سلطان مساعد الجزاف

بين دولة الخدمات ودولة الفرص

على مدى عقود نجحت الكويت تاريخياً في بناء نموذج للدولة الراعية، التي وفرت للمواطن منظومة واسعة من الخدمات والدعم والوظائف والمزايا، من التعليم والصحة والإسكان والدعم والوظيفة الحكومية، وأسهمت هذه المنظومة في ترسيخ الاستقرار الاجتماعي وجعل المستوى المعيشي للكويتيين أن يعتزوا به. وكانت هذه الرعاية جزءا أساسيا من بناء الدولة الحديثة. ولكن اليوم الزمن تغير والظروف تغيرت ولم يعد كافيا أن تكون الدولة مجرد جهة توفر الخدمة والوظيفة. التحدي الأكبر هو أن تتحول هذه الامتيازات إلى دولة تصنع الفرص. والمشكلة تبدأ عندما يتحول النجاح القديم إلى قاعدة لا نريد مراجعتها ولا تغييرها. العالم من حولنا يتحرك بسرعة، والاقتصادات تتغير، والوظائف تتبدل، والتكنولوجيا تعيد رسم سوق العمل. أما نحن فما زلنا ندور حول السؤال التقليدي متى أتوظف؟ وماذا ستقدم لي الدولة؟ مازالت الدولة مستمرة هي الحاضر الأكبر في حياة المواطن ابتداء من الوظيفة، والخدمة، والدعم، والإسكان، والرعاية. ومع مرور الزمن ترسخت قناعة بأن الطريق الطبيعي بعد التخرج ينتهي في جهة حكومية. هذه هي المعادلة التي تحتاج الكويت إلى إعادة النظر فيها والانتقال من دولة الخدمات إلى دولة الفرص. لا تستطيع الدولة الاستمرار في استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل او الاستمرار بالدعم او الخدمات؟ ونحن لا نطالب بإلغاء الخدمات أو تحميل المواطن فاتورة الإصلاح. القضية ليست أن تتراجع الدولة، بل أن تتغير وظيفتها من مجرد تقديم الرعاية إلى تمكين المواطن. الانتقال من مفهوم توفير الخدمة إلى مفهوم توفير الفرصة. آن الأوان لبناء اقتصاد يستطيع أن يخلق فرصه بنفسه. فالقطاع الخاص يجب ألا يكون مجرد محطة بديلة لمن لم يحصل على وظيفة حكومية، بل شريكا حقيقيا في التنمية. نريد اقتصادا يجعل الشاب الكويتي يرى في القطاع الخاص فرصة حقيقية لبناء مستقبله، لا مخاطرة يخشى عواقبها. ونريد أيضا أن تتحول ريادة الأعمال من شعارات إلى ثقافة وممارسة، وأن يصبح تأسيس المشروع أسهل من إغلاقه، وأن يجد صاحب الفكرة التمويل والتشريع والسوق، لا سلسلة من الإجراءات التي تقتل الفكرة قبل أن تولد. وهذا يتطلب بيئة أعمال أكثر مرونة، وتشريعات تشجع الاستثمار، وفرصا تجعل العمل في القطاع الخاص خيار جاذبا ومستقرا. التعليم هو بوابة التحول، لا يمكن بناء دولة الفرص بنظام تعليمي يركز فقط على الحصول على الشهادة والوظيفة. نحتاج إلى مهارات المستقبل، والتخصصات المطلوبة، وريادة الأعمال، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي. الكويت تملك المال والخبرة والعقول ولا تعاني من نقص في الإمكانات ولا نقص في الطاقات الشابة، بل إطلاق هذه الإمكانات من القيود التي صنعتها عقلية الاعتماد على الدولة. ما نحتاجه هو إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمواطن، الدولة توفر الأرضية والمواطن يصنع عليها الإنجاز. نحن لا نريد دولة تتخلى عن مواطنيها بل دولة أكثر فاعلية. لأن الكويت التي نريدها ليست فقط وطنا يوفر لأبنائه حياة كريمة، بل وطنا يمنحهم الفرصة ليصنعوا حياة أكبر واقتصاداً أقوى، ومستقبلاً يستحقونه.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓