الكويت... من امتلاك الأصول إلى تعظيم قيمتها

بعد عقود من الاستثمار، تمتلك الكويت احتياطيات نفطية كبيرة، ومصافي حديثة، وقاعدة بتروكيماوية، وبنية للطاقة والمياه، ورأسمال سيادياً ضخماً، ومؤسسات مالية قادرة على التمويل. لكن السؤال الذي يجب أن يسبق أي مشروع جديد هو: هل تحقق هذه الأصول أعلى عائد اقتصادي ممكن للكويت؟
هذا هو التحول المطلوب في طريقة اتخاذ القرار: من قياس ما ننفقه ونبنيه وننتجه، إلى قياس ما تحققه الأصول من إنتاجية وتدفقات نقدية وعائد على رأس المال.
فليس النجاح أن نصل إلى أربعة ملايين برميل يومياً إذا كان البرميل الإضافي مرتفع التكلفة؛ ولا أن نبني محطة مياه أكبر إذا أمكن إنتاج المتر المكعب بكلفة أقل؛ ولا أن نضيف محطة كهرباء إذا كان بالإمكان توفير الوقود لاستخدام أعلى قيمة؛ ولا أن نبني مصنعاً لأن المادة الخام متوافرة إذا كان تصديرها يحقق عائداً أفضل.
كل أصل يجب أن يجيب عن سؤال اقتصادي واحد: هل يمكن لهذا الدينار، أو البرميل، أو المتر المكعب، أو وحدة الطاقة أن يحقق قيمة أعلى في استخدام آخر؟
ومن هنا تصبح الأولوية ليست إنشاء مؤسسات جديدة أو زيادة الإنفاق، بل رفع إنتاجية الموجود، وإعادة تخصيص رأس المال نحو الاستخدام الأعلى عائداً، وإيقاف ما لا يحقق جدواه الاقتصادية.
ويتطلب ذلك دولة تحدد الأولويات، وتختار أفضل شريك لكل مهمة، وتربط التكنولوجيا بنقل المعرفة، وتمنح الإدارة الصلاحية مقابل نتيجة قابلة للقياس، وتضع الكفاءة قبل المجاملة، والجدوى قبل المشروع، والعائد قبل حجم الاستثمار.
وتقوم هذه الرؤية على ستة محاور مترابطة: النفط، المياه، الطاقة، الصناعة، التمويل، والقيادة. ولكل محور معيار مختلف، لكن المعادلة واحدة:
في النفط نبحث عن خبرة مثبتة في مكامن مماثلة؛ وفي المياه عن تقنية تخفض تكلفة المتر المكعب والطاقة؛ وفي الصناعة عن التكنولوجيا والمعرفة واعتماد المنتج والوصول إلى السوق؛ وفي التمويل عن خبرة في المخاطر وهيكلة رأس المال والحوكمة.
المعيار بسيط: لا شريك أجنبياً لأنه أجنبي، ولا شركة عالمية لأن اسمها كبير. نختاره لأنه فعل ما نريد فعله من قبل وبنتائج قابلة للقياس.
والهدف أن تصبح الكويت بعد الشراكة أكثر قدرة على التشغيل والتطوير واتخاذ القرار مما كانت عليه قبلها.
تستهدف استراتيجية مؤسسة البترول الكويتية طاقة إنتاج نفطي مستدامة تبلغ 4 ملايين برميل يومياً بحلول 2035 والمحافظة عليها حتى 2040، وإنتاج ملياري قدم مكعبة يومياً من الغاز غير المصاحب بحلول 2040، إلى جانب 14.5 مليون طن سنوياً من البتروكيماويات و1.2 مليون طن من المشتقات.
وفي النفط الثقيل، تقدم Chevron خبرة عملية مهمة. ففي الوفرة بدأ الحقن بالبخار تجريبياً في مكمن الإيوسين الكربوناتي عام 2009 لاختبار الجدوى الفنية والاقتصادية للاستخلاص الحراري، فيما صُممت مرحلة التطبيق الكامل بطاقة تصل إلى نحو 100 ألف برميل يومياً.
وفي المكامن الأكثر تعقيداً، منحت شركة نفط الكويت SLB في فبراير 2026 عقداً بقيمة 1.5 مليار دولار لخمس سنوات للتصميم والتطوير وإدارة الإنتاج في المطربة، حيث المكامن العميقة ذات الضغط والحرارة المرتفعين والظروف الحامضة.
لذلك يمكن اختيار Chevron وExxonMobil وShell وbp بحسب المشكلة، والاستفادة من شركات الخدمات والتكنولوجيا المتخصصة حيث تضيف قيمة واضحة.
مع ارتفاع إنتاج النفط تزداد أهمية المياه المصاحبة. لذلك يجب التعامل مع المكمن والبئر والنفط والغاز والمياه كنظام إنتاج واحد، وقياس معالجة المياه بالتكلفة والطاقة وكفاءة الفصل وإعادة الحقن وتأثيرها في المكمن.
كما تستطيع إعادة استخدام المياه المعالجة في الصناعة والتبريد والتشجير والاستخدامات المناسبة تخفيف الطلب على المياه المحلاة الأعلى تكلفة.
وتشير دراسة اعتمدت بيانات التشغيل الفعلية في الشقايا إلى تكلفة كهرباء مستوية بلغت نحو 15 فلساً لكل كيلوواط/ساعة للرياح و27 فلساً للطاقة الشمسية الكهروضوئية. وهي أرقام تعكس تكلفة المشاريع والتكنولوجيا في ذلك الوقت، وليست سعراً متوقعاً للمشاريع الجديدة بعد الانخفاض الكبير في تكاليف الطاقة المتجددة عالمياً.
لذلك فالسؤال ليس كم محطة نبني، بل ما المزيج الذي يوفر للكويت كهرباء موثوقة بأقل تكلفة اقتصادية؟ والأقرب هو الجمع بين الشمس والرياح في المواقع المناسبة، والتخزين، ومحطات الغاز عالية الكفاءة لضمان مرونة الشبكة.
والأهم أن كل برميل نفط أو كمية غاز لا تحرق لإنتاج الكهرباء يمكن تصديرها أو توجيهها إلى استخدام صناعي أعلى قيمة. لذلك لا تقاس الطاقة المتجددة بتكلفة الكيلوواط/ساعة وحدها، بل أيضاً بقيمة الوقود الذي توفره.
وتنتقل الكويت بهذا المسار إلى نطاق أكبر من خلال مشروع الدبدبة–الشقايا للطاقة الشمسية بقدرة 1,100 ميغاواط، الذي وصل خلال 2026 إلى مرحلة متقدمة من إجراءات التطوير والترسية.
رابعاً: ما بعد EQUATE... من المادة الأساسية إلى الصناعة الأعلى قيمة
بنت الكويت عبر EQUATE قاعدة بتروكيماوية عالمية، ضمن مجموعة ذات أصول إنتاجية في الكويت وخارجها تجاوزت طاقتها المعلنة ستة ملايين طن سنوياً. والسؤال الآن ليس إنتاج المزيد من المواد الأساسية فقط، بل استخدام هذه القاعدة لبناء صناعات أعلى نمواً وقيمة.
لكن ليس كل ما يمكن تصنيعه يستحق الاستثمار. الأولوية لصناعات تجمع بين توافر المادة الخام، ونمو الطلب العالمي، والحاجز التقني، والقدرة على التصدير، والهامش والجدوى الاقتصادية.
والبداية الطبيعية هي Dow، الشريك الاستراتيجي القائم في EQUATE. ويمكن دراسة توسيع هذه الشراكة من البتروكيماويات الأساسية إلى صناعات لاحقة تتقاطع فيها خبرة Dow في علوم المواد والتطبيقات المتقدمة مع المواد المنتجة في الكويت.
وبحسب المنتج، يمكن دراسة شركاء عالميين آخرين. والمعيار ليس الاسم، بل ما يضيفه الشريك من تقنية أو منتج أعلى قيمة أو مواصفة عالمية أو عميل أو سوق تصديرية. وعندما تكون مساهمته استراتيجية، يفضل أن يشارك برأس المال أيضاً.
هل يحقق تحويل المادة في الكويت ROIC أعلى من عائد تصديرها وتكلفة رأس المال بعد احتساب المخاطر؟
يبدأ ذلك بوضوح اللقيم: الكميات والمواصفات والتسعير ومدة التعاقد واستمرارية الإمداد. ثم بنية صناعية متكاملة توفر الأرض والطاقة والمياه والخدمات والتخزين والربط بالموانئ، مع تجميع الصناعات المترابطة لخفض التكلفة واللوجستيات.
امتلاك الدولة للمال لا يعني أن عليها تمويل كل مشروع.
وفي المشاريع المناسبة، يمكن استخدام Project Finance بحيث تصبح التدفقات النقدية وعقود البيع واللقيم والتكنولوجيا وقدرة المشروع على خدمة الدين أساس التمويل، بدلاً من الضمان الحكومي.
كما يمكن للمستثمر المؤسسي العالمي إضافة الانضباط في تقييم الاستثمار وهيكلة المخاطر والحوكمة والوصول إلى أسواق رأس المال. لكن رأس المال وحده ليس سبباً للشراكة إذا كانت الكويت تستطيع توفيره بكلفة أقل.
لا تمويل قبل الجدوى، ولا مصنع قبل السوق، ولا ضمان لإخفاء مشروع ضعيف، ولا دعم دائم لصناعة لا تستطيع المنافسة.
وهنا تصبح لغة القياس واحدة: تكلفة البرميل الإضافي في النفط، وتكلفة المتر المكعب في المياه، وROIC في الصناعة، والتدفق النقدي والعائد المعدل بالمخاطر في التمويل.
وينطبق ذلك على مجالس الإدارات. قبل اختيار الأسماء، توضع Board Skills Matrix تحدد الخبرات المطلوبة في القطاع والمشاريع والمالية وتخصيص رأس المال والتكنولوجيا والأسواق والمخاطر والحوكمة، ثم يختار أفضل شخص لكل مقعد.
لكن الكفاءة لا تكفي من دون صلاحية. يجب الفصل بين الدولة كمالك، ومجلس الإدارة كجهة توجيه ورقابة، والإدارة التنفيذية كجهة قرار وتنفيذ.
يجب أن يستطيع الرئيس التنفيذي اختيار فريقه، واستبدال شريك ضعيف، وإعادة تخصيص رأس المال، وإيقاف مشروع لم تعد جدواه تبرر استمراره. فالقرار الجيد قد يكون أحياناً عدم الاستثمار أو الخروج أو إعادة توجيه رأس المال.
وفي المقابل، لا توجد صلاحية بلا محاسبة. قبل تخصيص أي دينار تحدد تكلفة رأس المال والمخاطر والتدفقات النقدية والجدول الزمني وشروط التوقف. وبعد التنفيذ، تقاس الإدارة بـROIC والتدفق النقدي والإنتاجية والتكلفة وسرعة التنفيذ والقيمة الاقتصادية المضافة.
والحوكمة يجب أن تجيب ببساطة: من يقرر؟ من ينفذ؟ من يراقب؟ ومن يتحمل النتيجة؟
لا يمكن محاسبة الإدارة على قرار لم تملك صلاحية اتخاذه، ولا منحها الصلاحية من دون قياس ومحاسبة مستقلة.
الكويت لا تبدأ من الصفر. لديها الموارد والأصول ورأس المال والمؤسسات. لذلك لم يعد مقنعاً أن يقاس النجاح بحجم الإنفاق أو بعدد المشاريع التي تُعلن وتُبنى. المعيار الذي يجب أن يحكم المرحلة المقبلة هو: كم قيمة اقتصادية تحققها هذه الأصول للكويت؟
في النفط: قيمة المكمن، لا عدد الآبار.
في الطاقة: تكلفة الكهرباء وقيمة الوقود الموفر، لا عدد المحطات.
في الصناعة: التنافسية والصادرات، لا عدد المصانع.
والفارق بين امتلاك الثروة وبناء اقتصاد منتج هو جودة القرار. فالمورد الذي لا يذهب إلى استخدامه الأعلى قيمة يمثل فرصة ضائعة، ورأس المال الذي يبقى في مشروع ضعيف له تكلفة، والتأخير في اتخاذ القرار له ثمن، كما أن استمرار مشروع فقد جدواه ليس حفاظاً على الاستثمار بل استنزافاً له.
لهذا يجب أن يصبح السؤال قبل كل مشروع وبعده واحداً: ما العائد الذي حققناه مقارنة بما كان يمكن أن نحققه من الأصل نفسه ورأس المال نفسه؟
إذا كان الشريك العالمي يضيف تكنولوجيا أو سوقاً أو إنتاجية، نستعين به وننقل معرفته. وإذا كان المشروع يحقق عائداً يتجاوز تكلفة رأس المال والبدائل المتاحة، نستثمر ونوسع. وإذا لم يفعل، فلا ينبغي أن تحميه الميزانية أو اسم المؤسسة أو الأموال التي أنفقت عليه في الماضي.
فالقرار الاقتصادي الجيد ليس دائماً بناء مشروع جديد. قد يكون رفع إنتاجية أصل قائم، أو إعادة تخصيص رأس المال، أو تغيير الشريك، أو إيقاف مشروع، أو ببساطة عدم الاستثمار.
الكويت تملك ما يكفي من الأصول لكي يكون السؤال الآن أكثر صرامة: ماذا حققت هذه الأصول فعلياً، وما الذي كان يمكن أن تحققه ولم يتحقق؟
هذه هي المحاسبة التي تحتاجها المرحلة المقبلة.
فالنهضة الاقتصادية والصناعية لا تقاس بالمليارات التي تنفق، بل بالقيمة التي تبقى بعد الإنفاق؛ ولا بالبراميل التي تنتج، بل بالعائد الذي يستخرج منها؛ ولا بالمصانع التي تبنى، بل بقدرتها على المنافسة والتصدير؛ ولا بالصلاحيات التي تمنح، بل بالنتائج التي تحقق.
وفي النهاية، لا تعاني الكويت من نقص الموارد بقدر ما تواجه اختباراً في كيفية تحويل ما تملكه إلى قيمة أعلى.
ومن إدارة الثروة إلى محاسبة كل دينار على القيمة التي صنعها.
نقد أسلوب اتخاذ القرار الاستثماري الحالي ودعوة لتطبيق معايير الكفاءة والعائد.