ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
aljaridaاقتصاد بقلم تامر عبدالعزيز

الذهب تحت نيران الحرب... ورمادها

الذهب تحت نيران الحرب... ورمادها

أكثر من 1.7 مليار عملية بحث رقمي عن أسعار الذهب، باللغتين العربية والإنكليزية وبأكثر من صيغة، على مستوى العالم في الفترة منذ بداية العام وحتى إقفالات شهر سبتمبر الماضي، تصلح كرقم تقديري عن مدى الاهتمام العالمي بأداء الذهب كملاذ آمن في ظل التوتر الجيوسياسي الحاصل في المنطقة.

صحيح، أن الرقم المذكور هو تقدير مبني على أحجام البحث على google trends وليس رقماً رسمياً، لكن بيانات أحجام البحث المرتبطة بخدمات Google تشير إلى أن الكلمات الأساسية المتعلقة بسعر الذهب وحدها تسجل نحو 190 مليون عملية بحث شهرياً بالإنكليزية والعربية، ما يعني معدلاً ضخماً من عمليات البحث، وبما يشير إلى أن متابعة أسعار المعدن الأصفر أصبحت واحدة من الموضوعات المالية ذات الحضور الرقمي الكبير عالمياً، في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة والعالم نتيجة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.

الطبيعي، في ظل هذه الظروف، أن يصل الاهتمام بالملاذ الآمن إلى حد ما يمكن وصفه بـ "الهوس العالمي"، لكن بيانات البحث المرتبطة بالأداة التحليلية أشارت إلى ما هو أبعد من ذلك، فبالإضافة إلى القفزة الاستثنائية في اهتمام المستخدمين عالمياً بأسعار الذهب مع بداية 2026، إذ اقترب مؤشر البحث عن Gold Price من أعلى مستوياته في يناير، قبل أن يسجل ذروته عند 100 نقطة في فبراير، بالتزامن مع الارتفاعات التاريخية في أسعار المعدن النفيس، أما في شهر أبريل فقد تحول جزء كبير من اهتمام المتعاملين من متابعة السعر الحالي إلى البحث عن توقعات الذهب ومستقبله، تزامناً مع وصول مستويات التشتت عند المستخدمين ذروتها حين سجلت أسعار الذهب تداولات مرتفعة فوق مستوى 4700 دولار مع توارد أنباء التهدئة والهدن المؤقتة، بينما كان من المتوقع بشكل واسع أن تتراجع الأسعار.

لم تكن هذه هي حالة التشتت الوحيدة، التي وقع فيها المستثمرون والمتداولون على المعدن خلال الفترة، بل كانت ضمن سلسلة من 3 منعطفات أو محطات متسقة بأساسيات السوق وفنياته مر بها الذهب منذ بداية العام، ربما كانت عصية على تقدير قطاع كبير من المتعاملين، الذين تعاملوا مع الذهب كأداة مضاربية لتحقيق مكاسب لحظية، لا كأصل استراتيجي ومخزن للقيمة وملاذ آمن، فتبدلت خصائصه وتشوه سلوكه، لينقلب عليهم سحرهم ويعاقبهم.

ففنياً، لم تعبر هذه التقلبات عن أداء أصل استراتيجي وملاذ آمن كالذهب إطلاقاً، خصوصاً، أنها حدثت في أجل زمني قصير نسبياً. وأساسياً، لم يكن من المفترض أن يكون ذلك هو أداء الذهب في ظل ظروف جيوسياسية بالغة الحساسية كالحرب التي ما زالت نيرانها تحت الرماد حتى اللحظة.

وبين هذا وذاك، يمكن تلخيص الأسباب المباشرة والنمطية لتراجع الذهب مع اندلاع الحرب الأميركية ــ الإيرانية في 28 فبراير، إلى عدة عوامل متداخلة:

أولاً: قوة الدولار الأميركي وتزايد التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة ما يعزز جاذبية السندات والأصول ذات العائد ويحد من الطلب على الملاذات الآمنة.

ثالثاً: صعود أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ما يجذب السيولة بعيداً عن الذهب بالتزامن مع تراجع المخاوف الجيوسياسية، عقب اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

رابعاً: ضغوط السيولة في الأسواق العالمية، ومن بينها التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وتداعيات الحرب بشكل عام وإغلاق المضيق فترة طويلة بشكل خاص، ما يجعل الذهب أكثر عرضة لعمليات البيع السريعة.

خامساً: ما يمكن تسميته بالهبوط الميكانيكي أو الهندسي البعيد عن أساسيات السوق، والذي تم على عدة مراحل أعادت توجيه السيولة من المعدن إلى أصول أخرى:

1 - ارتفاع الدولار بشكل لافت بعد استعادته للثقة خلال فترة الحرب وتوجهات زيادة الميزانيات الدفاعية وشراء الأسلحة.

2 - الأسواق لا تعمل عادة بناء على قاعدة واحدة، بل على معطيات وسلاسل مرتبطة، بدأت في هذه الحالة بالنفط الذي ارتفع نتيجة الحرب وشح الإمدادات الناتج عن إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى تصاعد المخاوف المرتبطة بالتضخم، ومن ثم بقاء أسعار الفائدة مرتفعة وإمكانية رفعها مرتين أو ثلاث مرات قبل نهاية العام الجاري، وهنا، بدأت جاذبية السندات الأميركية تزداد ونافست مرتبة الذهب، فواصل تراجعه مع تزايد المخاطر.

3 - حالة الفزع المفتعلة التي صنعتها بعض وسائل الإعلام وصناع المحتوى لهولاء المشترين والتي كانت كفيلة باستمرار التراجعات.

بنفس النسق، كان يفترض، حسب المعطيات النمطية، أو تقديرات المتعاملين، أن يسجل الذهب تراجعات أو حركات تصحيح مع كل إعلان عن تهدئة النزاع أو حتى الإعلان عن هدنة مؤقتة، حيث تتفاءل الأسواق بالانفراجة ويتراجع الإقبال على الملاذ الآمن والتوجه لقنوات استثمار متعددة، لكن ما حدث أن الذهب بدأ يستعيد زخمه ويعود للارتفاع مرة أخرى، مع تضافر عدة أسباب:

فنمطياً، يرتفع الذهب عند توقف الحروب نتيجة تحول تركيز الأسواق من "علاوة المخاطر الجيوسياسية" إلى "الاستقرار الاقتصادي"، فمع انخفاض التضخم المؤقت تتراجع أسعار النفط مما يقلل الضغوط التضخمية، ويدفع البنوك المركزية نحو تخفيف السياسة النقدية وخفض الفائدة، أو على الأقل تثبيتها.

كما أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية لتتجاوز 5.3 في المئة مسجلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002 كان لا بد أن يزيد من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، فيصبح المعدن الأصفر أقل جاذبية للمستثمرين مقارنة بالأصول ذات العائد الثابت، إذ تربط الذهب وعوائد السندات الأميركية علاقة عكسية تاريخية وهيكلية، فتتراجع أسعار الذهب عادةً عندما ترتفع عوائد السندات والعكس صحيح، لكن ما حدث هو أن الذهب ظل صامداً فوق مستوى 4 آلاف دولار، رغم الارتفاع الحاد في عوائد السندات، بما يشير إلى أن علاوة الطلب التي اكتسبها المعدن النفيس بعد عام 2022 أصبحت أكثر رسوخاً مما كان متوقعاً، ما يفسر ذلك، هو أن العلاقة بين أسعار الفائدة وتحركات الدولار تغيرت بعدما جمدت العقوبات الغربية نحو نصف الاحتياطيات الرسمية لروسيا، ما دفع البنوك المركزية، خصوصاً في الأسواق الناشئة، إلى تسريع جهود تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الأصول المقومة بالدولار، وهو ما دعم الذهب حتى في فترات كانت فيها العوائد المرتفعة تضغط عادةً على أسعاره.

رغم التقلبات التي شهدتها أسعار الذهب خلال الأشهر الماضية، فإن على المستوى المؤسسي اتضح أن المعدن النفيس لا يزال يحافظ على مكانته كأحد أهم أصول التحوط في العالم، مدعوماً بطلب قوي تقوده البنوك المركزية، إذ استأنفت زيادة احتياطياتها من المعدن الأصفر خلال الربع الثاني، مستفيدةً من تراجع الأسعار عن المستويات القياسية التي سجلتها في بداية العام.

وحسب بيانات تقرير مجلس الذهب العالمي، أضافت البنوك والمؤسسات الرسمية الأخرى 289 طناً إلى احتياطياتها من المعدن خلال الربع الثاني 2026، بزيادة 62 في المئة مُقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، ليمثل هذا الرقم أعلى مستوى فصلي منذ الربع الرابع من 2024.

وتشير بيانات المجلس إلى أن الذهب لم يفقد جاذبيته، بل تغيرت خريطة المشترين. فبعدما كان الطلب يعتمد بدرجة أكبر على الأفراد وصناديق الاستثمار، أصبحت البنوك المركزية والمستثمرون المؤسسيون يقودون السوق، في إشارة إلى استمرار النظرة إلى الذهب كملاذ آمن وأصل استراتيجي في ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد العالمي.

وبالنسبة للمستثمرين، فإن الرسالة الأبرز ليست في حركة الأسعار قصيرة الأجل، وإنما في استمرار المؤسسات الرسمية حول العالم في تعزيز احتياطياتها من الذهب، وهو ما يعكس ثقة طويلة الأجل في المعدن النفيس ودوره في حماية الثروات والاحتياطيات.

في 16 سبتمبر، رفع مجلس الاحتياطي الفدرالي نطاق سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، من 3.50 في المئة– 3.75 في المئة إلى 3.75 في المئة –4.00 في المئة، في حين بدا قراراً سلبياً للذهب على الأقل ظاهرياً، فالذهب أصل لا يدر عائداً دورياً، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار الفائدة وعوائد أدوات الدخل الثابت يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس، إذ يصبح بإمكان المستثمر الحصول على عائد أعلى من أدوات مثل السندات وأدوات سوق النقد، من دون الحاجة إلى تحمل مخاطر تقلب الذهب.

لكن ما حدث فعلياً كان أكثر تعقيداً. فبمجرد رفع الفائدة مال الذهب إلى التراجع، نتيجة ارتفاع الدولار والعوائد، قبل أن يعود إلى الارتفاع بمتوسط يقارب 6 في المئة، مستنداً إلى ما يسمى سعر الفائدة الحقيقي، والذي يتم احتسابه كفارق بين سعر الفائدة المُعلن وبين معدلات التضخم، ولأن العامل الأكثر أهمية هو العائد الحقيقي، أي العائد الذي يحصل عليه المستثمر بعد احتساب التضخم، استفاد الذهب من إعادة تسعير توقعات الفائدة والعوائد مستقبلاً.

أضف إلى ذلك مجموعة من العوامل التي أدت إلى ارتفاع الذهب كمشتريات البنوك المركزية التي ذكرناها سابقاً والتي أصبحت أحد العوامل المهمة التي توفر دعماً للسوق، ما يعني أن العلاقة التقليدية بين الذهب والفائدة أصبحت أقل ارتباطاً مما كانت عليه في دورات سابقة.

أيضاً، لا يجب إغفال أن الذهب لم يدخل اجتماع "الفدرالي" في سبتمبر من مستويات ضعيفة، فالمعدن كان قد شهد تحركات قوية خلال العام، وبقي قرب مستويات تاريخية مرتفعة، رغم التصحيحات الحادة التي شهدها في بعض الفترات. كما أن الأسواق بالفعل كانت تضع في حساباتها، قبيل الاجتماع، احتمال رفع الفائدة، ما يعني أن جزءاً من القرار كان مسعّراً مسبقاً.

وبالتالي، إذا كان رفع الفائدة متوقعاً، فقد يكون تأثيره السلبي على الذهب محدوداً، خصوصاً إذا حملت تصريحات البنك المركزي إشارات أقل تشدداً مما توقعه المستثمرون.

كما أنه تاريخياً، فإن رفع الفائدة الأميركية لا يعني بالضرورة أن الذهب دخل مساراً هبوطياً مستداماً، فالمعدن، على مدار 10 دورات ماضية، قد يتعرض لضغوط في الأسابيع الأولى بعد القرار، قبل أن يستعيد زخمه، مع متوسط ارتفاع تاريخي يبلغ نحو 6 في المئة خلال ما يقرب من 12 شهراً بعد رفع الفائدة.

إجمالاً، مر الذهب خلال فترة الأشهر التسعة الماضية بالعديد من الضغوط التي كبدته نحو 21 في المئة من قيمته القياسية المسجلة في يناير، في رحلة هبوط مضطربة بدأت مع انطلاق أول مسيرة في الحرب الدائرة بالمنطقة، أما ما سيحدث خلال الفترة القادمة، وبعيداً عن كل تلك التوقعات التي يطلقها الخبراء والمؤسسات العالمية، والتي ناقض معظمها سابقاً ما حدث بالفعل، من المستبعد أن يعود الذهب سريعاً إلى قممه التاريخية، وقد تبدو حركته خلال الفترة المتبقية من 2026 أقرب إلى صعود متدرج يتخلله تماسك وتصحيحات.

أما العامل الحاسم الذي سيحدد مسار الذهب خلال الفترة القادمة فهو عوائد سندات الخزانة الأميركية، ومؤشرات التضخم الأميركي ومسار السياسة النقدية وقرارات الاحتياطي الفدرالي، والتي ستستند بشكل كبير إلى حالة سوق العمل وتقارير الوظائف، فهل يستمر في التشديد أم يبدأ السوق في تسعير نهاية دورة رفع الفائدة؟، وبشكل عام، سيبقى أداء الذهب خلال الفترة القادمة، مرتهناً إلى سلسلة من معطيات السوق الأساسية والفنية، والبيانات التاريخية محركها الأساسي هو خصائص الذهب كأصل استراتيجي وملاذ آمن... كان، وما زال، وسيبقى.

ملخّص قياس

تذبذب أسعار الذهب وتأثير العوامل الجيوسياسية والنقدية عليه

جهات:مجلس الاحتياطي الفدراليمجلس الذهبالبنك المركزي
آخر الأخبار المصدر الأصليّ أهم أخبار الكويت اليوم
تم نسخ الرابط ✓