مقايضة الخليج في الحوسبة

الحوسبة، كلما اشتدّ نهمها إلى الطاقة، انجذبت التقنية أكثر إلى مواطن وفرتها. ومن هنا تنفتح لدول الخليج فرصة لا تقتصر على صون ميزتها التقليدية فحسب، بل تمتد إلى استبقاء قدر أكبر من القيمة التي تصنعها الطاقة قبل أن تعبر الحدود.
لطالما أوحت الحوسبة السحابية بأن الاقتصاد الرقمي خفيف يكاد يتحرر من ثقل المادة، حتى جاء الذكاء الاصطناعي ليكشف بنيته المستترة: رقائق متقدمة، ومراكز بيانات، وتبريد، وشبكات، ونهم متعاظم إلى الطاقة الكهربائية. وعليه، لم يعد السؤال في تصدير الطاقة سلعةً وحسب، بل في حسن تحويلها محليا إلى قدرة حوسبية، ثم إلى خدمة رقمية تعبر بها الطاقة حدود الاقتصاد. تبقى الطاقة، ويُصدَّر النتاج.
غير أن انخفاض كلفة الطاقة، على أهميته، لا يكفي لبناء صناعة متكاملة. فكلفة العتاد، وجودة التنظيم، والثقة، والاتصال، والنفاذ إلى التقنيات والأسواق، جميعها قد تستنزف ميزة الطاقة إن اختلّ سائر البناء. والعبرة ليست بحجم الاستثمار، بل بما يستقر من قيمته داخل الاقتصاد. واللافت أنه، وإن كانت الرقائق والنماذج والمنصات أجنبية، وكانت التطبيقات تباع من الخارج، فيما يقدّم الخليج الأرض ورأس المال والطاقة، فقد تنشأ وظائف ويتّسع القطاع الخاص، غير أننا قد نكون أمام صورة أشد تركيباً من تصدير الطاقة، إذ لا ترحل السلعة في ناقلة، بل يرحل قدر معتبر من قيمتها عبر الألياف.
ولهذا لا يكفي ارتقاء المشروع في سلسلة القيمة دليلا على جدواه. فالعبرة بما يصنعه محليا قياسا بأجدى استخدام بديل للطاقة، بعد احتساب كلفة رأس المال، وأعباء الشبكات، وحقوق المجتمع، وأولوية الخدمات العامة الأساسية. كما أن للمعادلة وجها خارجيا أيضا. فالطاقة التي تستبقيها الحوسبة محليا قد تكون، في بعض الأحوال، طاقة كان سبيلها إلى التصدير. ومن ثم لا تبدّل الحوسبة ماهية الصادرات فحسب، بل تعيد رسم الموضع الذي تتكوّن فيه القيمة المضافة.
وهنا تكتسب هوية مزوّد التقنية وزنا اقتصاديا أعمق. فالتقنية ليست عتادا يقتنى، بل منظومة تتوزّع في طبقاتها المعرفة، والعوائد، والموردون، والقدرات، وآفاق النمو المقبلة. ومن يملك أعلاها يملك نصيبا أوفر من ثمار القيمة التي تولّدها. لذلك ينبغي أن تقاس استثمارات الذكاء الاصطناعي بما تستبقيه محليا: وظائف نوعية، وقطاع خاص أرحب، وموردون محليون، وإيرادات عامة، وقدرات تقنية، وعائد على رأس المال. وليس الأدق أن يقال إن «الذكاء الاصطناعي هو النفط الجديد»، بل إن التشبيه الأوفى هو بالصناعات التحويلية.
فكما تعاظمت قيمة البرميل حين لم يعد خاما فحسب، تستطيع الطاقة أن ترتقي إلى حوسبة، ومنها إلى خدمات وصناعات جديدة. والتنويع الاقتصادي ليس دوما مفارقة للميزة القائمة، فقد يكون ارتقاءً في استثمارها وحسن توظيفها، وإن كان ذلك في أدنى صور التنويع طموحا.
وعلى الشركاء التقنيين —شرقا وغربا— ودول الخليج أن يبصروا هذه العلاقة من هذا المنظور. فأولئك يملكون التقنية، وهذه تملك الطاقة ورأس المال والقدرة على البناء. وبينهما فسحة لمصلحة مشتركة، شريطة ألا يُقاس النجاح بعدد مراكز البيانات المعلنة، ولا بعدد الرقائق المحجوبة أو المتاحة، بل بمقدار القيمة التي أحسن الطرفان خلقها فعلاً قبل أن تغدو البدائل أشد إغراءً.