ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
aljaridaمقالات بقلم نجد الحوراني

من الصين إلى الأندلس

من الصين إلى الأندلس

في القرن السابع الميلادي، كانت قرارات تُتخذ في دمشق فتصل أصداؤها إلى تخوم الصين شرقاً والأندلس غرباً. من هنا أدار الأمويون واحدة من أوسع دول عصرهم، وكانت دمشق ملتقى للسياسة والتجارة والثقافة والمعرفة.

لكن حكاية سورية كانت قد بدأت قبل ذلك بآلاف السنين، فعلى أرضها قامت بعض أقدم أشكال الاستقرار الحضري في العالم، ومن أوغاريت خرجت إحدى أقدم الأبجديات المعروفة، وعلى ألواحها حُفظ أحد أقدم الألحان المدوّنة في التاريخ. هنا منح الإنسان صوته حرفاً، وترك لموسيقاه أثراً لم يبدده الزمن. ومن إيبلا وأوغاريت إلى تدمر وبصرى وحلب ودمشق، لم يكن التاريخ في سورية عابراً، بل تراكم حتى أصبح جزءاً من هوية المكان والإنسان.

واليوم، بعد عقود من الاستبداد وسنوات الحرب، لا تقف سورية أمام مهمة إعادة إعمار ما تهدّم فحسب، بل أمام فرصة أكثر ندرة: أن تعيد بناء نفسها.

تسعى الحكومة الحالية إلى استعادة حضور البلاد عربياً ودولياً، عبر إحياء الفعاليات الثقافية والاقتصادية والمعارض، والانفتاح على الاستثمار والقطاع الخاص ورؤوس الأموال والخبرات الخارجية، فبلد بهذا الحجم من الاحتياجات لا ينتظر ترميم قطاع، بل إعادة تشغيل دورة اقتصادية كاملة، من السكن والطاقة والنقل إلى الصناعة والسياحة والخدمات.

لكن أصعب ما تهدّم لا يُرى بالعين.

فالإعمار يبدأ أيضاً باستعادة الثقة بين المواطن والدولة، وتهيئة عودة النازحين واللاجئين إلى حياة مستقرة ومنتجة، ودعم وعي مجتمعي يتشافى من آثار الاستبداد والحرب، فلا يبقى أسير ردّ الفعل على الماضي، بل يحوّل تجربته إلى معرفة وركيزة للتطور.

وهنا تصبح سورية أكثر من سوق لإعادة الإعمار. إنها بلد يمتلك ما لا يستطيع رأس المال أن يصنعه: الموقع، والتاريخ، والثقافة، والإنسان. وما يحتاجه هو مؤسسات وقانون وبيئة آمنة تجعل الاستثمار شريكاً في النهوض.

ولعل أجمل ما يمكن أن تصنعه سورية اليوم أن تمنح شعراء لم يولدوا بعد، دمشق أخرى تستحق أن يُكتب لها الشعر.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓