ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
aljaridaمقالات بقلم محمد الجارالله

نبض الخمسين والستين... واحتضان الحياة بقلب لا يشيخ (1-2)

نبض الخمسين والستين... واحتضان الحياة بقلب لا يشيخ (1-2)

قبل سنوات، قال لي أحد الأصدقاء: «أشعر بأن والدي تغيّر بعد السبعين، مع أن صحته لا بأس بها».

سألته: «هل تغيّر هو... أم أنكم تنظرون إليه بالطريقة نفسها التي كنتم تنظرون بها إليه قبل عشرين عاماً؟»، لاحظ ذلك يا صديقي.

هذه المرحلة كثيراً ما يُساء فهمها، فنحن نستعد للدراسة، والعمل، والزواج، وحتى للتقاعد المالي، لكننا نادراً ما نستعد للحياة بعد الستين، مع أنها قد تكون من أجمل مراحل العمر إذا أحسن الإنسان التعامل معها. في هذه السنوات لا تنقص قيمة الإنسان، وإنما تتغير أولوياته. يصبح أكثر هدوءاً، وأكثر ميلاً إلى التأمل، وأقل اهتماماً بالسباق الذي شغل سنوات طويلة من عمره. إنها ليست نهاية الطريق، وإنما بداية موسم مختلف للحياة.

من أكثر الأخطاء شيوعاً أن نستسلم للروتين. العقل مثل العضلة، كلما استخدمته بقي أكثر نشاطاً. يجب علينا الالتزام بالنمو المستمر، والتخلص من خرافة أن التقدم في العمر يعني الركود، فالأشخاص الأكثر سلاماً يستمرون في التعلم، ويبقون منفتحين على التغيير، ويستكشفون ذواتهم بشغف، مدركين أن رحلة تطور النفس ليس لها نهاية.

ليس المطلوب أن يعود الإنسان إلى مقاعد الدراسة، وإنما أن يبقى فضوله حياً؛ يتابع ويراقب ويبدي رأياً. اقرأ في موضوع جديد، تعلم مهارة بسيطة، أو حتى أجبر نفسك على تعلم تقنيات العصر الحديث، مثل «الذكاء الاصطناعي» ولو بشكل مبسط، فهذا التعلم هو جزء أساسي من تحريك الذهن، وهو أداة مذهلة وممتعة قادرة على الرد على كل استفساراتك وفتح نوافذ معرفية جديدة لم تكن تتخيلها. هذه التفاصيل الصغيرة تحافظ على حيوية الذهن، وتمنح الإنسان شعوراً بأن الحياة ما زالت مليئة بما يستحق الاكتشاف. المعرفة والتعلم لا عمر لهما، ومن يحافظ عليهما يبقى شاباً من الداخل مهما تقدم به العمر.

في الكويت، نملك نعمة اجتماعية لا نجدها في كثير من المجتمعات، وهي الديوانية، قد يراها البعض مكاناً لتبادل الأحاديث، لكنها في الحقيقة أكثر من ذلك بكثير. إنها مساحة يلتقي فيها الإنسان بأصدقائه، يناقش، ويستمع، ويضحك، ويشعر بأنه ما زال جزءاً من نبض المجتمع. ومع التقدم في العمر، يصبح اختيار الديوانية المناسبة أكثر أهمية.

هناك مجالس تمنح صاحبها راحة فكرية ونفسية، وأخرى تستنزف طاقته، والإنسان في هذه المرحلة يعرف أي الصحبة تقربه من الطمأنينة، وأيها تزيده توتراً. العلاقات الاجتماعية ليست ترفاً، وإنما جزء من الصحة النفسية، وربما كانت في بعض الأحيان أفضل من كثير من الأدوية.

لا أحد يختلف على أهمية المشي، فهو من أفضل ما يقدمه الإنسان لقلبه ورئتيه وصحته العامة، لكن هناك جانباً لا يحظى بالاهتمام نفسه، وهو المحافظة على الكتلة العضلية. مع التقدم في العمر تبدأ العضلات في التراجع بصورة طبيعية (sarcopenia)، وإذا لم نقاوم هذا التغير فقد يفقد الإنسان شيئاً من قوته وتوازنه واستقلاليته في أداء أبسط الأعمال اليومية. لهذا أصبحت تمارين المقاومة الخفيفة، باستخدام الأوزان المناسبة أو الأربطة المطاطية أو حتى وزن الجسم، جزءاً أساسياً من المحافظة على الصحة.

ولا تكتمل الفائدة من دون تغذية جيدة، وفي مقدمتها الحصول على كمية كافية من البروتين يومياً. الهدف هنا ليس بناء عضلات كبيرة، وإنما المحافظة على القوة التي تمنح الإنسان استقلاله، وتساعده على أن يبقى معتمداً على نفسه أطول فترة ممكنة.

كلما تقدم الإنسان في العمر، أدرك أن كثيراً من المعارك التي خاضها لم تكن تستحق كل ذلك الجهد. وهنا تبدأ رحلة أخرى... رحلة البحث عن السلام الداخلي. في تراثنا الإسلامي كنوز عظيمة تساعد الإنسان على بلوغ هذه السكينة؛ الذكر، والدعاء، والتوكل، والرضا، وحسن الظن بالله، ومراجعة النفس، ليست مجرد عبادات يؤديها الإنسان، وإنما أسلوب حياة يمنحه طمأنينة، ويجعله أكثر تسامحاً مع نفسه، وأكثر رحمة بمن حوله، وقد يكتشف الإنسان في هذه المرحلة أن راحة القلب أصبحت أغلى من الانتصار في أي جدال، وأن الصفح يخفف من أعباء العمر أكثر مما تفعل الخصومات الطويلة.

نحن نخطئ عندما نقارن الخمسين والستين بالثلاثين، كما نخطئ إذا طالبنا شجرة مثمرة بأن تعود غرسة صغيرة. لكل مرحلة جمالها، ولكل عمر رسالته. المهم ألا يتوقف الإنسان عن الاهتمام بنفسه، ولا عن التعلم، ولا عن الحركة، ولا عن لقاء الناس، ولا عن الاقتراب من الله. فالسنوات لا تنتقص من قيمة الإنسان، وإنما تضيف إلى رصيده من التجارب، ومن يفهم هذه الحقيقة سيكتشف أن ما بعد الستين ليس خريف العمر كما يقال، وإنما فصل آخر أكثر هدوءاً، وأكثر نضجاً، وربما أكثر جمالاً.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓