مجموعة الناشرين العرب وصناعة الكتاب العربي

أجمل المبادرات عندما تخرج وقت الأزمات والحروب، هكذا حال مجموعة «الناشرين العرب»، التي أعلنت إطلاق مبادرة وطنية لإعمار المكتبات المتضررة في لبنان بعنوان: «حملة المليون كتاب».
يبدو أن مسار مجموعة الناشرين العرب يسير في اتجاهٍ مغاير لبعض المفكرين والمهتمين بالشأن الثقافي الذين يربطون بين الوضع الاقتصادي وانعكاسه على الثقافة، باعتبار أن الاقتصاد يعتمد على الأرقام والأسواق فيما الثقافة تحكمها الأفكار والإبداع، وإن كانت العلاقة بينهما أكثر تعقيداً وعُمقاً. فحين يزدهر الاقتصاد تزدهر معه المسارح ودُور النشر والمعارض الفنية، وحين يضيق العيش تُصبح الثقافة أولى ضحايا الأزمات.
مجموعة الناشرين العرب جدَّدت شبابها، وانطلقت في عدة مسارات من شأنها تحريك المياه الراكدة في عالم النشر والثقافة. إحدى تلك المسارات الموقع الإلكتروني، الذي يزخر هذه الأيام بموضوعات تسلِّط الضوء على صناعة الكتاب والناشرين العرب وسوق النشر. ورغم تواضع حجم الإنتاج العربي، الذي لا يتعدى 1.5 في المئة قياساً بالإنتاج العالمي، يبقى التعويل على تلك المبادرات النشطة والحيوية وقت النكبات وتراجع الاقتصاد وزيادة مساحات الفقر والعوز.
سوق النشر العربي لم يعد على حاله كما في السبعينيات والستينيات، فخريطة مراكز النشر تبدَّلت مواقعها، بعد أن كان السوق اللبناني والسوق المصري يستحوذان على 60 في المئة من الإنتاج العربي، فقد دخلت عواصم الخليج العربي بقوة على تلك المعادلة وأحدثت تغييراً ملحوظاً.
والحديث عن المؤسسين الأوائل في عالم النشر العربي يختلف تماماً عن الفاعلين الكبار اليوم، والمعيار بالاختيار تحكمه قواعد ومتغيِّرات، فمَنْ كان اسمه يرد في قائمة العشرة الأوائل في الستينيات ليس كمَنْ يرد اسمه بالألفية، فقد بات الاسم مقروناً بنوع وحجم الإنتاج والمؤسسة التي تحمل اسمه، خصوصاً مدى تأثيره في صناعة النشر العربية، ومن حيث السمعة والمصداقية، وفوق ذلك انتشار الكُتب وجودة المؤلفين.
من أبرز الناشرين العرب الأوائل الذين تركوا بصمة واضحة في خريطة الانتشار والتوسع: إبراهيم صادر (لبنان)، وجرجي زيدان (لبنان- مصر)، وخليل سركيس (لبنان)، وسهيل إدريس (لبنان)، وإبراهيم المعلم (مصر)، وعبدالعزيز المنصور (الكويت)، وحمد الجاسر (السعودية)، ويحيى الخليل (لبنان)، ومنير بعلبكي (لبنان)، والمطبعة الكاثوليكية في لبنان أيضاً، والحاج مدبولي (مصر).
نتوقف عند ظاهرتين في عالم النشر العربي: الأولى مع ذاك الرجل الذي أعطى الكتاب العربي صوتاً في العالم، وهو إبراهيم المعلم، الذي نجح في أن يجعل من الكتاب سفيراً للثقافة العربية، ويمنح الناشرين العرب حضوراً فاعلاً في أهم المؤسسات الدولية المعنية بصناعة النشر.
ينطبق عليه القول كما على غيره من المعاصرين، أمثال: رياض الريس وسعود المنصور (ذات السلاسل)، وبشار شبارو (الدار العربية للعلوم). هناك رجال يكتبون الكُتب، وهناك رجال يكتبون تاريخ صناعة الكُتب.
الظاهرة الثانية: هو أحد المؤسسين الأوائل لدار «الآداب اللبنانية»، الدكتور سهيل إدريس، الذي حمل من بيروت إلى القارئ العربي أفكاراً ثقافية متجددة حول الأدب والإبداع، وفتح الأبواب للمبدعين عبر مجلة «الآداب» ودار النشر التي أنشأها. إنه رجل غيَّر وجه الأدب العربي، وجعل من بيروت منبراً للحُرية والتجدُّد.